في انتهاك صارخ يكذب الشعارات الأوروبية والإسبانية الرنانة حول حماية حرية الإعلام، أقدمت عناصر الشرطة الإسبانية على اقتراف اعتداء جسدي عنيف ضد مراسل جريدة “هبة بريس” في مدينة سبتة المحتلة، في واقعة تعري الوجه الحقيقي للتعاطي الأمني الإسباني مع الصحافة المغربية وتفضح ازدواجية فجة في معايير حقوق الإنسان.
وعمدت عناصر الشرطة الإسبانية إلى دفع الصحفي، وسحبه من ملابسه، والاعتداء عليه بالضرب، رغم علمهم التام واليقيني بهويته وبأنه يؤدي واجبه المهني البحت.
هذا العنف غير المبرر لم يأتِ من فراغ، بل كان محاولة يائسة لطمس فضيحة حقوقية تُقترف على الأرض. فقد جاء الاعتداء متزامناً مع قيام الصحفي بتوثيق مشاهد مروعة من التعذيب والتنكيل وسوء المعاملة التي تطال المهاجرين غير النظاميين، والمفارقة الصارخة أن هذه الانتهاكات كانت تجري على مقربة من عناصر الهلال الأحمر الإسباني، مما يضع مدريد في موقف بالغ الإحراج أمام خطاباتها الرسمية التي تدعي حماية اللاجئين والمهاجرين.
لا يمكن تصنيف هذا التغول الأمني في خانة “التجاوزات الفردية”، بل هو حلقة في سلسلة من الممارسات القمعية التي تعكس سياسة ممنهجة تستهدف ترهيب الصحافة المغربية في المدينة المحتلة ويعيد هذا الاعتداء إلى الأذهان حادثة الاحتجاز التعسفي والتضييق التي طالت سابقاً طاقم القناة الثانية المغربية (2M) أثناء تغطيته الميدانية من داخل سبتة، مما يؤكد وجود توجه أمني إسباني يسعى لإسكات أي عدسة مغربية تحاول كشف الحقائق.
وتثير هذه الجريمة المكتملة الأركان تساؤلات عميقة حول الصمت الانتقائي والمريب للعديد من المنظمات والهيئات الحقوقية والصحفية، سواء داخل المغرب أو خارجه، تلك الأصوات التي طالما تبجحت بالدفاع عن حرية الصحافة، تبتلع اليوم ألسنتها عندما يتعلق الأمر بانتهاكات إسبانية صريحة، مما يكشف زيف المبادئ وتناقضها مع الواقع الميداني.
وتكتسي الواقعة خطورة مضاعفة بالنظر إلى سياقه الجغرافي والسياسي، فحدوث هذا القمع داخل سبتة المحتلة يجعل من هذا العنف الأمني تجسيداً لغطرسة وسيطرة استعمارية تمارس على أرض مغربية، مما يدفع نحو تصعيد لا يخدم مصالح حسن الجوار..
وأمام هذا الوضع المفضوح، لم تعد الإدانة اللفظية كافية. إن المرحلة تتطلب تدخلاً حازماً وفورياً من قبل النقابات الوطنية، واتحادات الصحفيين، والهيئات الدولية لتحويل هذا الاعتداء إلى قضية دولية، والضغط بقوة لمساءلة المسؤولين الإسبان عن هذا القمع، والمطالبة بتوضيحات رسمية وبفتح تحقيق مستقل يضمن عدم إفلات المتورطين من العقاب، ويوفر حماية فعلية للصحفيين المغاربة الذين يواجهون آلة القمع الإسبانية في الخطوط الأمامية.
