الأمن الوطني.. 20 سنة من الحرب على الإرهاب

بواسطة الثلاثاء 16 مايو, 2023 - 13:42

AHDATH.INFO

نجحت مصالح الأمن بتفوق في امتحان جديد هذه السنة، وكسبت رهان التصدي لإرهاب نوعي على مسرح حديث الانضمام إلى التراب الحضري بالعاصمة الاقتصادية، عندما اغتالت خلية إرهابية أحد عناصر الأمن في أولى خطواتها لتنفيذ مخطط جديد يستهدف استقرار المملكة، لكنه فشل بفضل التدخل الأمني والعمل الاستباقي لقطبي المؤسسة الأمنية.

لقد كان عملا إجراميا نوعيا، استغل التعقيد العمراني والاجتماعي لمنطقة الرحمة واستهدف رجل أمن للحصول على سلاحه والبدء في تنفيذ مخطط إرهابي جديد، لكن اليقظة الأمنية كانت في الموعد عندما فككت هذا المخطط بوسائل بشرية وتكنولوجية في اختبار جديد.

منذ سنة 2003 وحتى قبلها، بدأت مصالح الأمن معركة نوعية ضد الإرهاب بجميع أشكاله ووسائله. لسنوات شكل التطرف أرضا خصبة لاستنبات مخططات إرهابية تخدم أجندات التنظيمات العالمية للإرهاب، فكانت البداية مع الجماعة الإسلامية المقاتلة ثم زاد الاهتمام بأرض المغرب من طرف تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية وغيرهما من دعاة القتل.

بداية الحرب على الإرهاب

كانت بداية الحرب ضد الإرهاب على يدي عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية (طبعا كل مصالح الأمن انخرطت في ذلك) فكانت أول مواجهة مع عناصر السلفية الجهادية، وقبلها مع الخلايا النائمة للقاعدة، ثم انتقلت إلى ردهات المكتب المركزي للأبحاث القضائية المحدث سنة 2015 والتابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

وبتفصيل، فقد كان أول عمل إرهابي عرفته المملكة سنة 1994 عندما قام عدد من الأشخاص من جنسية أوروبية ومن أصول جزائرية بإطلاق النار على السياح واستهداف فندق بمدينة مراكش. وتطورت الظاهرة الإرهابية بسبب الوضع الجديد في أفغانستان ومرور العديد من المغاربة بهذا البلد تحت غطاء العمل الخيري والإحساني قبل أن يتطور إلى قتال وتداريب عسكرية، ومنذ تلك اللحظة كانت عيون المصالح الأمنية تترقب عودة هؤلاء المقاتلين الذين يجيدون استعمال الأسلحة النارية وصناعة المتفجرات. وبانتشار موجة الفكر المتطرف العنيف بدأت التنظيمات الإرهابية في تنزيل مخططاتها على هذه الأرضية الخصبة التي استطاعت استقطاب العديد من الشبان المغاربة.

تمهيدا لتنفيذ هذه المخططات محليا، ومباشرة بعد هجوم طائرتي ابن لادن على برجي «التوين سانتر» الأمريكيين، تم أول اصطدام مع خلايا القاعدة سنة 2002 عندما خطط عدد من أفرادها لاختطاف طائرة تربط بين مدينتي الدارالبيضاء ونيويورك واستغلالها لهجوم فوق التراب الإسباني ثم استهداف بواخر غربية بجبل طارق انطلاقا من مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.

خلال هذه الفترة، كانت عناصر السلفية الجهادية المتشبعة بتأطير شيوخ وأئمة نهلوا من الفكر الوهابي واختلطوا بالمقاتلين المغاربة بأفغانستان قد بدأت بالفعل في تنفيذ مخططاتها في صمت، عبر اقتراف العديد من الجرائم والسطو على ناقلات الأموال وبعض الوكالات والقيام بحملات تعزيرية أشهرها بفاس والدارالبيضاء، غير أن أمرها افتضح مباشرة بعد تفجيرات 16 ماي 2003.

منذ ذلك الحين وطوال 20 سنة لم تنفك مصالح الأمن عن التصدي للمشاريع الإرهابية التي خططت لها قيادات التنظيم العالمي للإرهاب، أو تلك التي تحاول تنفيذها خلايا محلية، ثم فيما بعد الجيل الجديد لقطعان الذئاب المنفردة، أو من خلال استغلال انفصاليين من ميليشيات البوليساريو. كما أثمرت هذه الحرب خلال هذه الفترة مصادرة كميات مهمة من الأسلحة والمواد المتفجرة التي كانت موجهة لإراقة الكثير من الدماء.

دينامية وتطور وتنسيق

وككل سنة، كانت حصيلة المصالح الأمنية من الخلايا المفككة والمتطرفين الذين وقعوا بين أيديها تختلف بين كر وفر، لكن الظاهرة ظلت تتطور باستمرار، وفي غير منأى عن الدينامية التي عرفتها المؤسسة الأمنية بقطبيها (المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني).

وكما أوقعت المشاريع الإرهابية منذ 2003 العديد من الضحايا بالدارالبيضاء ومراكش وإمليل، أوقع العمل الأمني المبذول بجهد وعقلانية العديد من المتطرفين الذي يتجاوز عددهم 4300 شخص تم تقديمه للعدالة.

هيكلة المصالح الأمنية كان جزءا لا يتجزأ من استراتيجية شاملة وضعها المغرب لمكافحة الإرهاب، اتسمت بتعدد أبعادها لتنفتح على الاقتصاد والاجتماع والتنمية والدين، دون إغفال المواكبة القانونية وإعادة التأهيل داخل السجون. وهو ما جعل المقاربة الأمنية تتسم بفاعلية أكثر وتتميز بالاستباق والسرعة في التصدي للمخاطر الإرهابية.

وإلى جانب الفاعلية والاستباق، لم تكن المصالح الأمنية لتنجح في عملها دون المزاوجة بين المواكبة الميدانية والعلمية لظاهرة الإرهاب في جميع أشكالها وتطورها وذلك من خلال إحداث فرق ومصالح ووحدات أمنية وتقنية ومعلوماتية (إحداث المكتب الوطني لمكافحة الجريمة المعلوماتية) لالتقاط المعلومة وتحليلها قبل أن يتحول التخطيط إلى اعتداء على أرض الواقع.

لقد كانت الكلمة المفتاح في هذه الدينامية الكبرى بالإضافة إلى التحديث، هي التنسيق. وبدون ذلك ما كان أن يتحقق هذا الزخم الكبير في مكافحة الإرهاب. فالتنسيق الذي بدأ بين قطبي الأمن المركزيين، تفشى بين المصالح والأقسام والوحدات المركزية والجهوية، ثم بدت الحاجة ملحة إلى إحداث قاعات حديثة ومتطورة للقيادة والتنسيق على مستوى القطاعات الكبرى والمدن الرئيسية، الشيء الذي سهل مهمة التفاعل والتدخل.

حصيلة هذا العمل أثمرت إحباط ما يفوق 500 مشروع إرهابي وتفكيك أزيد من 200 خلية إرهابية. وهي مشاريع تخريبية كان من الممكن أن تضرب الاستقرار الذي تنعم به البلاد، وتهدد أمن مواطنيها.

تحليل المعلومة واستغلالها

بفضل عبد اللطيف حموشي، الذي يقود قطبي المؤسسة الأمنية، نجح التنسيق الأمني أيضا في تيسير الحصول على المعلومة وتسهيل مرورها وتحليلها بناء على المعطيات التي توفرها مصالح مراقبة التراب الوطني، من طرف ضباطها المدربين على التعامل مع المعلومات وتقييم المخاطر الإرهابية والفرز بين كل أشكال التطرف والتعامل مع العنيف منها قبل التحول إلى مشروع إرهابي يهدد الأمن العام.

وهذا جعل الجهاز الأمني محط تقدير وإعجاب من طرف مؤسسات أمنية أوروبية، لاسيما بعد مساهمته في إحباط العديد من المشاريع الإرهابية بالخارج، وتمكن من تقديم المساعدة لأجهزة دول متقدمة في هذا المجال، ما جعله يحصد باستمرار إشادة دولية لاسيما بعد العمل إلى جانب حلفائه في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الإفريقية والأسيوية.

هذا التفوق ساهم فيه الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة عبر وحدات مكلفة بمكافحة الجرائم السيبريانية وأخرى مكلفة بالاستخبار الجنائي والمعلومة الوقائية والاستباقية، دون إغفال براعة ضباط عناصر الأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. قوة هذه المقاربة جعلها تصبح نموذجا يحتذى به إقليميا ودوليا، بل حولها إلى ذراع ديبلوماسي للمملكة.

لقد جعلت المؤسسة الأمنية من تبادل المعلومات بينها وبين كبريات الأجهزة الأمنية، أسلوبا فعالا للتعاون الدولي في مكافحة الإرهاب وتعقب الإرهابيين، وهو نموذج تعاظم الإقبال عليه بشكل واضح من خلال زيارات كثيرة قام بها مدراء ومسؤولين على هذه الأجهزة الأمنية للرباط، حيث التقوا بعبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، ووقعوا اتفاقيات تهدف لتأسيس شراكات في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات.

وبفضل معلومات المؤسسات الأمنية المغربية، تمكنت سلطات دول أجنبية من إحباط العديد من المشاريع الإرهابية بفرنسا وبلجيكا وإسبانية وإيطاليا وبولونيا والدانمارك، بالإضافة إلى موريتانيا والنيجر والكوت ديفوار.

كما كانت المعلومات الأمنية المغربية الميدانية أيضا سلاحا فعالا في مكافحة الإرهاب العالمي ومحاصرة تنظيمي القاعدة وداعش في سوريا والعراق، عبر رصد تحركات المقاتلين الذين انخرط عدد كبير منهم في موجة الهجرة نحو أوروبا. وقد كان للمعلومات المغربية دور كبير في تفكيك الخلايا الإرهابية التي كانت وراء اعتداءات باريس 2015 وبروكسيل 2016.

وتظل أقوى عمليات التنسيق تلك التي جمعت الأجهزة الأمنية المغربية والإسبانية والتي ساهمت في تفكيك العديد من الخلايا التي تنشط بين البلدين، حيث تم إحباط العديد من الاعتداءات الإرهابية من خلال تبادل المعلومات والتنسيق المستمر والتدخل المتزامن في عدد من المواقع لتوقيف المتطرفين المشتبه فيهم.

مهندس الشراكات الأمنية

لقد أصبحت الاستراتيجية المغربية لمكافحة الإرهاب ثم المقاربة الأمنية الاستباقية مرجعا دوليا ونموذجا يحتذى به.

فقد حصدت الجهود الأمنية المبذولة في مكافحة الإرهاب وانفتاح المغرب على باقي الدول لتقديم يد العون في اجثثات الخلايا الإرهابية والتصدي لمخاطرها على الاستقرار والأمن، اعترافا دوليا بفضل الدينامية التي أسس لها المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي منذ توليه رئاسة قطبي الأمن. وقد ساهمت هذه المهمة المزدوجة في تطوير أداء العمل الأمني الاستباقي المبني على أساس الاستخبار والذي يقوم على تملك المعلومة واستغلالها.

المجهودات والتحديث، الذي شهدته الأجهزة الأمنية وتعاونها مع باقي الدول الحليفة والتزامها في الحرب على الإرهاب والجريمة المنظمة بعيدا عن الحسابات الضيقة التي سقطت فيها دول قريبة منا في المجال الإقليمي، هو ما جعل هذه الشراكات تنجح على المستوى الثنائي والجهوي والدولي والتحول إلى صد المخاطر الإرهابية في بؤر التوتر قبل هجرتها إلى دول أخرى.

ثمار هذا العمل تمثل في توشيح حموشي مهندس هذه الشراكات بأوسمة في عدة مناسبات، اعترافا بجهود المؤسسات الأمنية المغربية من أجل تكريس عالم بدون أخطار إرهابية.

تجربة حموشي وخبرته وتدرجه في سلم الإدراة الأمنية كان وراء التحول الذي عرفته مصالح الأمن على مستوى إيقاع العمل والمزاوجة في الآن نفسه بين مكافحة الإرهاب المحلي بالاستباق ومواكبة الإرهاب العالمي عبر الحصول على المعلومة، ومن ثمة إيجاد الوصفة المناسبة للرقي بدور المؤسسة الأمنية من الدفاع عن الوطن إلى سلاح ديبلوماسي للتوقيع على شراكات مهمة تجني ثمارها الكثير من القطاعات الوطنية.

تحديات وتهديدات راهنة

لا يتوقف سعي الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب، ففي الوقت الذي شحذت هذه الأجهزة أسلحتها التكنولوجية لملاحقة المتطرفين الذين طوروا إمكانياتهم على المستوى التقني باستغلال التكنولوجيا الحديثة في تسهيل التواصل والتخطيط والانخراط في العمل الإرهابي، تظهر من جديد تحديات جديدة يبدو أن أكثرها راهنية هو التطور الميداني الذي تعرفه منطقة الساحل والصحراء، التي أصبحت قاعدة خلفية جديدة للاستقطاب والتجنيد والقيام باعتداءات تستهدف مواقع أمنية وعسكرية ومدنية، بعدما تلقت التنظيمات الإرهابية ضربات موجعة في معاقلها التقليدية لاسيما في سوريا والعراق.

هذا التطور يعود بالأساس إلى تراجع دور الدولة المركزية في منطقة الساحل والصحراء وكذا ضعف التنسيق، بالإضافة إلى الركوب على النزاعات الإثنية وزرع بذرة الانفصال واستغلالها في زعزعة استقرار هذه الدول.

الحد من هذه المخاطر في بؤرتها يعتبر اليوم تحديا جديدا للأجهزة الأمنية التي خبرت في عدة مناسبات بالحجة والدليل إمكانية استغلال هذه العوامل في القيام بعمليات إرهابية خطيرة، لاسيما أن مصالح الأمن سبق لها تفكيك عدة خلايا هذه السنة لها علاقة بالصراع الدائر في الساحل، بل أيضا لها صلات بتورط عناصر انفصالية من جبهة البوليساريو في الإعداد لمخططات تخريبية داخل المملكة.

التحقيق مع أفراد الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها مؤخرا انتهى إلى أن مخططاتها تنقسم إلى مرحلتين الأولى تتجلى في التوقيع على اعتداء إرهابي والثانية تتجه نحو الانضمام إلى التنظيمات الإرهابية بالساحل بعد التواصل مع قيادات متطرفة تعمل في الاستقطاب.

على صعيد آخر، يتزايد الاهتمام الأمني بالمواد الخطيرة والأسلحة التي أصبحت في متناول التنظيمات الإرهابية في سعيها لتنفيذ مشاريعها الإجرامية، والتي تستغل الصراعات العسكرية الدائرة ببعض المناطق واستثمارها في الحصول على هذه الأسلحة الفتاكة لاسيما البيولوجية والكيميائية والنووية والإشعاعية.

اليقظة الأمنية والوعي بأهمية هذه التحديات هو ما يجعل عملها في المواكبة والاستباق منهجا ناجحا للتصدي لكافة المخاطر الإرهابية لاسيما النوعية منها التي تستغل كل وضع جديد كي تنفذ بذكاء مخططها شأنها في ذلك شأن خلية «الرحمة»، التي أجهضت مصالح الأمن جريمتها لتنضاف إلى القائمة الطويلة للتفوق الأمني المغربي.

آخر الأخبار

حول منع فيلم العسري.. سعيد خلاف يكتب عن فوبيا الاختلاف
لكل يرفع شعار الدفاع عن حرية الإبداع السينمائي، من مخرجين وكتاب ومثقفين، بمختلف درجاتهم، مستندين إلى قناعة تبدو بديهية مفادها أن “السينما” خيار، بينما يبقى “التلفزيون” عند كثيرين ضيفا مفروضا لا اختيار فيه. غير أن الحقيقة تكشف وجهها القاسي حين يجرؤ المبدع على خلخلة السائد وملامسة المسكوت عنه، يواجه فجأة عقولا تعاني من “فوبيا الاختلاف”. […]
بن كيران والأنساب.. الرعي الجائر !
هل السيد عبد الإله بن كيران ينتسب حقا إلى الصحابي سعد بن عُبادة أم أن الأمر محض ادعاء يبتغي منه فائدة في عمله السياسي؟ السيد عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تحدث في لقاء مع أعضاء من حزبه عن والدته السيدة المحترمة مفتاحة، وهي سيدة لا يمكننا أن نذكرها إلا بكل عبارات […]
الداخلية تدعو الشباب للمسارعة في ملء استمارة الخدمة العسكرية
في إطار عملية الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية لإعداد فوج المجندين المقرر إدماجه برسم السنة الجارية ابتداء من فاتح سبتمبر 2026، تنفيذا للتعليمات السامية لجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، يذكر وزير الداخلية أن عملية الإحصاء، التي انطلقت يوم الاثنين 2 مارس 2026، ستنتهي اليوم الخميس 30 أبريل 2026 […]