لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصورا في الجوانب التقنية أو الاقتصادية، بل أصبح سؤالاً سياسياً وحقوقياً بامتياز. فمن يطور الخوارزميات؟ ومن يحدد قواعد استخدامها؟ ومن يستفيد من الثورة الرقمية؟ كلها أسئلة حضرت بقوة خلال الندوة الوطنية التي احتضنتها الرباط حول “الذكاء الاصطناعي، حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين”، والتي نظمتها جمعية مبادرات لحماية حقوق النساء وتحالف ربيع الكرامة.
الندوة لم تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تقنية جديدة، وإنما كقوة مؤثرة في إعادة تشكيل المجتمع والعلاقات الاقتصادية والسياسية. فالتكنولوجيا التي تعد بتبسيط الحياة وتحسين الخدمات، يمكن أن تتحول أيضاً إلى أداة لإنتاج أشكال جديدة من الإقصاء والتمييز إذا لم تُؤطر بمنظومة قيمية وقانونية تحمي الحقوق والحريات.
ومن أبرز الأفكار التي تم التوقف عندها أن الخوارزميات ليست محايدة دائماً، فهي تبنى انطلاقا من معطيات وقواعد يضعها البشر، وقد تحمل في داخلها صورا نمطية أو أحكاما مسبقة قائمة على النوع الاجتماعي أو الوضع الاجتماعي أو الجغرافي. لذلك فإن الاعتماد المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات التشغيل، والتمويل، والصحة، والتعليم، وحتى في صناعة القرار العمومي، قد يؤدي إلى تكريس تفاوتات قائمة بدل الحد منها.
كما سلط المشاركون الضوء على قضية أصبحت تثير قلقا متزايدا في العالم، وهي اتساع الفجوة الرقمية بين النساء والرجال. فرغم التطور الملحوظ في ولوج النساء إلى التكوينات الرقمية واكتساب المهارات التكنولوجية، فإن حضورهن لا يزال ضعيفاً في مراكز القرار المرتبطة بالتكنولوجيا، سواء داخل الشركات الكبرى أو في المؤسسات التي تضع السياسات العمومية الرقمية. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا كيف يمكن بناء ذكاء اصطناعي منصف إذا كانت النساء غائبات عن مراحل تصميمه وتطويره وحكامته؟
الرسالة الأساسية التي خرجت بها الندوة هي أن الذكاء الاصطناعي ليس قدرا تقنيا مفروضا، بل هو اختيار مجتمعي وسياسي. ولذلك فإن بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يستند إلى مبادئ واضحة، في مقدمتها احترام حقوق الإنسان، وضمان الشفافية والمساءلة، وحماية المعطيات الشخصية، وإشراك النساء بشكل فعلي في صناعة القرار الرقمي.
وفي هذا السياق، استحضرت الندوة عددا من المرجعيات الدولية التي تؤكد أن التطور التكنولوجي يجب أن يكون في خدمة الإنسان، من بينها توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والميثاق الرقمي العالمي، وهي مرجعيات تضع المساواة وعدم التمييز في قلب أي سياسة رقمية مستقبلية.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط امتلاك التكنولوجيا أو مواكبة الثورة الرقمية، بل امتلاك القدرة على توجيهها وفق قيم العدالة والإنصاف. فالذكاء الاصطناعي الذي لا يضع الإنسان في مركز اهتمامه، قد يتحول إلى مصدر جديد للفوارق الاجتماعية. أما إذا تم تأطيره بحكامة ديمقراطية ومقاربة حقوقية، فإنه يمكن أن يشكل فرصة تاريخية لتعزيز المساواة بين النساء والرجال وبناء مجتمع أكثر عدلا وشمولا.
