إذا كان موسم 2025-2026 بعدا 7 مواسم جافة،يعد بمحاصيل جيدة تصل إلى 90 مليون قنطار من الحبوب، فإن ذلك لا يجب أن يحجب حقيقة التغير المناخي الذي أصبح واقعا، يفرض عدم الاستكانة إلى هذا الاستثناء، والعمل بدل ذلك على مواصلة اتخاذ الإجراءات المتعددة للتكيف مع هذا الواقع الجديد.
تنضاف إلى ذلك تداعيات حرب الشرق الأوسط، إذ رغم أن بعض الغذائية والأعلاف المركبة التي تمر عبر مسارات متعددة بعيدا عن مضيق هرمز المغلق حاليا، إلا أن المغرب لن يسلم من ارتفاع كلفة هذه الواردات، ارتباطا بارتفاع أسعار البترول بالأسواق العالمية، ومن ثم ارتفاع كلفة النقل.
يأتي ذلك في الوقت الذي تمثل الفلاحة أحد أهم القطاعات الاقتصادية بالمملكة، حيث تشغل أزيد من 18 مليون شخص ينشطون في 1.5 مليون ضيعة فلاحية.
فضلا عن ذلك يساهم القطاع الفلاحي في الناتج المحلي بنسب تتراوح مابين 14 و18 في المائة حسب الظرفية المناخية، هذا مع العلم أن سنة جافة تكلف ضياع 1.5 إلى 2 في المائة من النمو الاقتصادي، وكذلك رفع البطالة ب2 إلى 3 في المائة، والعكس صحيح.
لكن المغرب مازال يجد تحديات على غرار العديد من الدول يعاني شح للمياه، تعود جذوره إلى ثمانينيات القرن الماضي. هناك أيضا نقص الأراضي الصالحة للزراعة بسبب التمدد العمراني فضلا عن التصحر،مما يتسبب في تقلص هذه الأراضي الصالحة للزراعة ب2200 هكتار سنويا، علما بأن المغرب لايستغل إلا 68 في المائة فقط من أراضيه الصالحة التي تناهز 9 مليون هكتار، فيما المساحة المستفيدة من السقي تتراوح ما بين 800 ألف ومليون هكتار فقط من السقي ومياه السدود، وذلك ارتباطا بنسبة الملء بهذه الأخيرة.
رغم أن الفلاحة قطاع استراتيجي للأمن الغذائي والتشغيل و الاستقرار الاجتماعي، فإنه مازال مرتهنا للتقلبات المناخية، فضلا ع ضعف الإنتاجية في جزء من الضيعات،حيث تشير المعطيات الدولية إلى أن الفلاحة والغابات لصيد ساهمت بأزيد من 10 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي المغربي سنة 2024، وهي نسبة مهمة، لكنها تخفي هشاشة بنيوية لأن أداء القطاع يتغير بقوة تبعا للأمطار أكثر مما يتغير بفعل التحسن المستدام في الإنتاجية والتكنولوجيا، يقول المتحدث ذاته.
كما أن المشكل لا يكمن في كون جزء كبير من الفلاحين ما يزال رهين الأساليب التقليدية، لكن لأن التحول نحو فلاحة عالية المردودية يسير بسرعات متفاوتة إذ رغم أنه هناك فئة من المنتجين المغاربة نجحت في تبني التقنيات الحديثة والري الموضعي والتدبير الرقمي والجودة الموجهة للتصدير، لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى قاعدة عامة داخل القطاع، حسب المتحدث ذاته.
يأتي ذلك في الوقت الذي وضعت وزارة الفلاحة ضمن أهداف استراتيجية “الجيل الأخضر 2030” رفع المردودية بـ1.5 مرة، ومضاعفة الناتج الفلاحي ليبلغ بين 200 و250 مليار درهم في أفق 2030، وهو ما يعتبره الفينا اعترافا ضمنيا بأن مستويات الإنتاج الحالية ما تزال دون الإمكانات المتاحة.
وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات،حددت هدف توسيع الزرع المباشر إلى بلوغ مليون هكتار بحلول 2030، إضافة إلى توسيع السقي التكميلي للحبوب نحو مليون هكتار، لكن الأرقام المرتبطة بالإنتاج تكشف حجم الخلل بشكل أوضح، حسب الأكاديمي ذاته، لافتا إلى أن إنتاج الحبوب في سنة 2025، يقدر بنحو 4.5 ملايين طن فقط، أي أقل بحوالي 13 في المائة من المتوسط بسبب استمرار الجفاف وضعف التساقطات في المراحل الحاسمة من الموسم.
فخلال الموسم الحالي، يتوقع أن تصل حاجيات المغرب من واردات الحبوب حوالي 11 مليون طن، أي أعلى بنحو 20 في المائة من المتوسط، ، وهو ما يعني أن الاستيراد يغطي ضعف الإنتاج المحلي.
في المحصلة، فإن جوهر الأزمة ليس في “الإنتاج” وحده، بل في النموذج الاقتصادي الذي يحكم القطاع، حسب الخبير الاقتصادي ذاته، مضيفا أنه عندما يبقى جزء مهم من العرض الفلاحي معتمدا على الأمطار، وعندما تتسع الفجوة بين الفلاحة العصرية الموجهة للأسواق ذات القيمة المضافة العالية وبين الفلاحة الصغيرة الأقل تجهيزا والمهيمنة على المجال القروي، فإن النتيجة تكون مزدوجة. مردودية غير مستقرة، وأسعار لا تعكس دائما تحسنا حقيقيا في الكفاءة.
كما أن استمرار الدعم العمومي والتحفيزات وبرامج المواكبة يجب أن يقابله تقييم صارم للأثر. ما حجم الزيادة الفعلية في الإنتاجية لكل درهم من الإنفاق؟ وما أثر الدعم على خفض الأسعار للمستهلك، لا فقط على رفع العرض أو الصادرات؟ يتساءل الفينا، مستنتجا أن ارتفاع الواردات رغم تعدد الاستراتيجيات يعني أن جزءا من السياسة العمومية ما زال يعالج النتائج أكثر مما يعالج الأسباب.
لذلك، فإن الإصلاح المطلوب اليوم لا يمر فقط عبر رفع ميزانيات القطاع، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات. الماء أولا، ثم الإنتاجية، ثم التنظيم السوقي، فضلا عن تعميم التقنيات التي ترفع المردودية وتقلص التبعية للمطر، وتسريع رقمنة الخدمات والإرشاد الفلاحي، وربط الدعم بالنتائج القابلة للقياس، وتقوية سلاسل التجميع والتخزين والتبريد والتسويق .
من دون ذلك، ستظل الفلاحة في المغرب تدور في الحلقة نفسها. موسم جيد يخفف الضغط مؤقتا، وموسم جاف يعيد الأسعار إلى الارتفاع ويزيد الحاجة إلى الاستيراد. فالنجاح الحقيقي، يشدد الخبير الاقتصادي، لن يقاس فقط بحجم الصادرات أو بموسم فلاحي جيد، بل بقدرة القطاع على تأمين غذاء كافٍ، وأسعار أكثر استقرارا، ودخل كريم للفلاح، ومردودية أقل تبعية للمناخ.
