المسيرة الخضراء: من ملحمة وطنية إلى إستراتيجية للازدهار

بواسطة الخميس 30 أكتوبر, 2025 - 21:17

في السادس من نوفمبر سنة 1975، غيّر جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله مركز الثقل في قضية الصحراء المغربية، إذ نقلها من ساحة المواجهة العسكرية إلى فضاء المبادرة الجيوسياسية. فبإطلاقه تعبئةً شعبية سلمية، لم يكن يسعى إلى الغزو بقدر ما كان يهدف إلى تثبيت الشرعية. وبخطوة ذات ذكاء استراتيجي نادر، فرض على المجتمع الدولي حقيقة جديدة: السيادة لا تُمنح بمرسوم، بل تُبنى بالشرعية التاريخية، وباللحمة الوطنية، وبانخراط الشعب.

وبعد مرور نصف قرن، حوّل جلالة الملك محمد السادس زخم المسيرة الخضراء إلى إستراتيجية للتنمية والاندماج الإقليمي. فلم تعد المقاربة المغربية لقضية الصحراء سياسية فحسب، بل أصبحت رؤية شمولية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور كبرى: التنمية الاقتصادية المكثفة في الأقاليم الجنوبية، والاندماج الإفريقي للمملكة، وترسيخ موقع المغرب كقوة استقرار في الفضاء الأطلسي–الساحلي.

إن موانئ الداخلة والعيون، والمناطق الصناعية، والبنى التحتية الطاقية، والممرات التجارية ليست مجرد مشاريع تنموية، بل أدوات لدبلوماسية القوة الناعمة. فبفضل الاستثمار والاستقرار والحداثة، جعل المغرب من صحرائه حقيقة اقتصادية لا رجعة فيها، وإجماعاً سياسياً راسخاً. لم تعد الأقاليم الجنوبية فضاءً هامشياً، بل تحولت إلى منصة لوجستية واستراتيجية منفتحة على غرب إفريقيا ومنطقة الساحل والمحيط الأطلسي. لقد أصبح التنمية أبلغ تعبير عن السيادة.

التحول في الموقف الإسباني، الذي طالما اعتُبر مستبعداً، يعكس عمق هذا التغيير. فقد أدركت مدريد أن القضية لم تعد ملفاً استعمارياً قديماً، بل شراكة مستقبلية تقوم على المصالح المتبادلة. وفي ظل التبعية الطاقية وإعادة تشكل المشهد الجيوسياسي الأوروبي، بات المغرب لإسبانيا عمقاً استراتيجياً، وجسراً اقتصادياً نحو إفريقيا، وشريكاً محورياً في قضايا الأمن الطاقي والهجرة. وهذه المقاربة المشتركة تعبّر عن رؤية موحدة للاستقرار: مغربٌ أطلسيٌّ يُجسّد التوازن ويتيح فرصاً متقاسمة.

وتسير أوروبا على النهج ذاته. فباريس وبروكسيل وبرلين تزداد اقتناعاً بأن الاستقرار الإقليمي يمر عبر الاعتراف بالواقعية المغربية. لقد أصبحت الصحراء رافعةً للحوار الأوروبي–الإفريقي، ونقطة التقاء بين مفهومي الأمن والتنمية. وفي عالم تُعيد فيه الجغرافيا السياسية للموارد والممرات التجارية والهجرة رسم الأولويات، يبرز المغرب فاعلاً محورياً قادراً على وصل الضفتين وضمان استقرار الساحل الأطلسي الإفريقي.

لقد كرّست إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التحول بإعلانها الرسمي الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه. غير أن هذا القرار يتجاوز البعد السياسي الآني ليترسخ ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فالولايات المتحدة تنظر اليوم إلى المغرب باعتباره محوراً إقليمياً يربط بين العوالم الإفريقية والعربية والأطلسية. وقد ثبّتت إدارة الرئيس جو بايدن هذه المقاربة، معتبرةً المملكة حليفاً للاستقرار في محيط مضطرب، وفاعلاً للاعتدال الديني، ومنصة اقتصادية نحو إفريقيا.

أما الاتفاق الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، فليس مجرد خطوة دبلوماسية، بل تجسيد لتقاطع مصالح في مجالات الأمن والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد المستقبلية. وفي خضم المنافسة العالمية حول إعادة توطين الصناعات وتأمين الممرات البحرية، يقدم المغرب نموذج الدولة المتوسطة الفاعلة والمنفتحة والموثوقة.

وفي عالم متشظٍ، حيث تعيد القوى المتوسطة صياغة موازين القوى، يرسم المغرب مساراً فريداً: مسار مملكة توفّق بين السيادة والانفتاح، بين الهوية والحداثة. إن المسيرة التي انطلقت سنة 1975 ما زالت مستمرة، لكنها اليوم مسيرة تأثير وتنمية وسلام دائم. وهي تُجسّد الفكرة الجوهرية القائلة إن الوطنية حين تُقترن بالرؤية والدبلوماسية تتحول إلى قوة تغيير عالمي.

آخر الأخبار

السفير الأمريكي بالرباط يختار "الأحداث المغربية" و"أحداث أنفو" للتواصل مع الرأي العام المغربي ويحتفي على صفحاتها بـ250 سنة من الشراكة المغربية الأمريكية
في خطوة تعكس المكانة الإعلامية المتميزة التي تحتلها جريدة “الأحداث المغربية” والمجموعة الاعلامية غلوبال ميديا هولدينغ داخل المشهد الإعلامي الوطني، اختار السفير الأمريكي بالمغرب، ديوك بوكان، صفحات الجريدة ومنصتها الرقمية “أحداث أنفو” لنشر مقال رأي ، تناول فيه المشاركة المغربية في كأس العالم 2026 وعمق العلاقات التاريخية التي تجمع المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية منذ […]
لاعبو المنتخب الوطني: عازمون على الذهاب بعيدا في المونديال
أدلى لاعبو المنتخب الوطني المغربي، بتصريحات عقب نهاية مباراتهم القوية أمام المنتخب البرازيلي في الجولة الأولى من نهائيات كأس العالم، والتي حسمها التعادل الإيجابي بهدف لمثله، حيث عبر اللاعبون عن ارتياحهم للأداء العام، مؤكدين عزمهم على مواصلة العمل لتحقيق نتائج أفضل في المباريات المقبلة. وأعرب المدافع رضوان حلحال عن فخره بالأداء الذي قدمه زملائه أمام […]
مؤسسة محمد السادس تطلق المركبين السياحيين "زفير مرتيل" و"زفير السعيدية" لفائدة أسرة التربية
في إطار مواصلة تنزيل برنامج عملها العشري 2018-2028، قامت مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين يوم الأربعاء 10 يونيو 2026 بافتتاح المركب السياحي”زفير مرتيل” والخميس 11 يونيو الجاري” زفير السعيدية” ، الموجهين لأسرة التعليم واللذان يعدان الخامس والسادس من نوعهما وطنيا، ويأتي ذلك بغرض تعزيز سلة الخدمات الاجتماعية الموضوعة رهن إشارة أسرة التربية […]