المنتخب الوطني ومعارضة الساعة خمسة وعشرين

بواسطة الإثنين 22 يونيو, 2026 - 10:40

في كل مرة يخوض فيها المنتخب الوطني المغربي غمار بطولة كبرى، يتكرر المشهد نفسه: تتوارى الخلافات السياسية، وتخفت أصوات الجدل، ويتقدم المغرب إلى الواجهة باعتباره القاسم المشترك بين الجميع.
ففي لحظات الفرح الجماعي، لا يسأل المغاربة بعضهم بعضا عن انتماءاتهم السياسية أو مواقفهم الفكرية، بل يلتفون حول راية واحدة وقميص واحد، لأن المنتخب لم يعد مجرد فريق لكرة القدم، بل أصبح تجسيدا لحلم جماعي ولرغبة وطن بأكمله في أن يجد له مكانا بين الأمم.

وهذا الشعور لم يولد اليوم، ولم تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو امتداد لوعي وطني عميق ظل يرافق المغاربة في مختلف الظروف. فمن يقرأ شهادات ومذكرات معتقلين سياسيين ومنفيين سابقين، يكتشف كيف كانوا يتابعون بشغف مشاركة المغرب في مونديالي 1970 و1986، وكيف احتفلوا بإنجازات سعيد عويطة ونوال المتوكل في أولمبياد لوس أنجلوس، رغم ما كانوا يعيشونه من خلافات أو مآس شخصية وسياسية.

لقد أدرك هؤلاء أن الوطن أكبر من الحكومات، وأن الاختلاف حول السياسات العمومية لا يعني أبدا التنكر للمشترك الوطني. بل إن بعض الذين ذاقوا أقسى أنواع المعاناة في معتقل تازمامارت، لم يسمحوا لجراحهم أن تتحول إلى عداء للوطن. وقد شاهد المغاربة جميعا أحمد المرزوقي، أحد الناجين من ذلك المعتقل، وهو يرتدي القميص الوطني ويدعم المنتخب المغربي من مدرجات مونديال قطر، في صورة تختصر الفرق بين معارضة السلطة ومعاداة الوطن.

غير أن ما يثير الانتباه اليوم، هو بروز فئة جديدة من المعارضين، يمكن وصفهم بمعارضة الدقيقة أو معارضة الساعة الخامسة والعشرين. وهي فئة لم تتكون داخل الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات، ولم تمر عبر تجارب النضال والتأطير، بل ولدت مباشرة في فضاء التواصل الاجتماعي، حيث يسهل إطلاق الأحكام الجاهزة وتوزيع الاتهامات دون معرفة أو مسؤولية.

هذه الفئة لم تنظر إلى الإنجاز الرياضي المغربي باعتباره نجاحا وطنيا، بل تعاملت معه بكثير من الضيق والارتياب. فكل انتصار يتحقق، وكل إشادة دولية بالمغرب، تتحول عندها إلى مناسبة للتقليل من الإنجاز أو البحث عن ثغرة للنيل منه. وهي مفارقة غريبة، لأن أصحاب هذا الخطاب أنفسهم يصفقون لإنجازات دول أخرى، ويعتبرونها انتصارا للشعوب على الصعوبات والحصار، لكنهم حين يتعلق الأمر بالمغرب، يصبح النجاح مجرد وسيلة لتخدير المواطنين أو إلهائهم عن القضايا الكبرى.

والأكثر إثارة للدهشة أن بعضهم لا يجد حرجا في تشجيع منتخبات تناصب المغرب العداء السياسي، ليس انطلاقا من قناعة رياضية أو انتماء مغاربي أو إفريقي، وإنما بدافع الخصومة مع بلده. وهنا لا يعود الأمر مرتبطا بالاختلاف السياسي، بل يتحول إلى موقف نفسي يختلط فيه الغضب بالحقد، وتضيع فيه الحدود الفاصلة بين نقد المؤسسات والتنكر للوطن.

ومن بين أكثر الادعاءات تداولا، القول إن نجاح المنتخب المغربي لا علاقة له بالسياسات الرياضية الوطنية، لأن عددا من لاعبيه تكونوا في الخارج. والحقيقة أن هذا الطرح يتجاهل معطيات كثيرة، أولها أن عددا مهما من اللاعبين بدأوا مسارهم داخل المغرب، وثانيها أن استقطاب أبناء الجالية وتمكينهم من الحفاظ على ارتباطهم بوطنهم الأصلي ليس صدفة، بل هو ثمرة رؤية طويلة المدى.

فالمغرب من بين الدول القليلة التي فهمت مبكرا أن الهجرة لم تعد رحلة مؤقتة تنتهي بالعودة النهائية، بل أصبحت وضعا إنسانيا جديدا يعيش فيه الفرد بين وطنين، ويحمل انتماءين ثقافيين دون أن يفقد جذوره. ولذلك لم يعد الحديث عن “العمال المغاربة بالخارج”، بل عن “مغاربة العالم”، باعتبارهم امتدادا بشريا وثقافيا واستراتيجيا للمغرب.

وهنا يكمن سر النجاح المغربي. فالدولة لم تترك أبناءها في الخارج يذوبون في مجتمعات الإقامة دون روابط، بل عملت على بناء جسور دائمة معهم، عبر الثقافة والرياضة والتعليم والمؤسسات الدينية والاجتماعية. ومن هذه الجسور خرج لاعبون عالميون اختاروا الدفاع عن القميص الوطني رغم الإغراءات الكبيرة التي قدمتها لهم دول أخرى.

إن المنتخب الوطني ليس مجرد أحد عشر لاعبا فوق أرضية الملعب، بل هو صورة لمغرب استطاع أن يحافظ على خيط متين يربطه بأبنائه أينما كانوا. ولذلك فإن الاحتفاء بإنجازاته ليس موقفا سياسيا، كما أن الفرح به لا يعني التخلي عن الحق في النقد أو الاختلاف.

أما الذين لا يرون في كل نجاح سوى مؤامرة، ولا في كل فرحة سوى مناسبة للتشكيك، فإن مشكلتهم ليست مع المنتخب، ولا مع الجامعة الملكية لكرة القدم، بل مع فكرة الوطن نفسها. وهي معركة خاسرة، لأن الأوطان تبنى بالمحبة والثقة والعمل، لا بالأحقاد الصغيرة ولا بمعارضة تأتي دائما بعد أن يطلق الحكم صافرة النهاية.

آخر الأخبار

المختار الغزيوي يكتب: "ميزاجور"..التحيين الضروري !
لم نكن ننتظر من الكائن الحزبي، لا أقل، ولا أكثر، من هذا الذي يقوله ويصنعه، ويردده، ويتعهد به، الآن. متوقع هو أكثر من اللازم، وخطبه، مثل خطواته، نعرفها منذ القديم، ونحفظها عن ظهر قلب، وهامش المفاجأة الوحيد الذي وعدنا به أنفسنا، وانتظرناه هذه المرة، قبيل انتخابات 23 شتنبر، كان هو أن يخالف الكائن الحزبي التوقعات، […]
تراكم النفايات يثير استياء ساكنة تارودانت ومطالب بتحسين تدبير النظافة
في سابقة تعكس حجم الاحتقان المتزايد حول وضعية النظافة بمدينة تارودانت، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة إلى فضاء مفتوح للتعبير عن الغضب والمطالبة بوضع حد لانتشار النفايات والنقاط السوداء، وإعادة الاعتبار إلى مدينة ظلت لسنوات عنواناً للتاريخ والجمال، ووجهةً لأبنائها وزوارها. المطالب التي يرفعها عدد متزايد من نشطاء المدينة لم تعد مجرد تدوينات […]
التامني: الترحال بين الأحزاب بحثا عن المقاعد يضعف الثقة في السياسة
قالت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، إن الانتقال من حزب إلى آخر بحثا عن مقعد برلماني من شأنه أن يفاقم أزمة الثقة في العمل السياسي والمؤسسات. واعتبرت التامني، في رأي نشرته على حسابها الشخصي بموقع “فيسبوك”، أن مثل هذه الممارسات تضعف جدوى المشاركة السياسية، وتعزز لدى المواطنين الانطباع بأن بعض الفاعلين السياسيين […]