تفكيك “مسرحية بيغاسوس”: بين تهافُت تقارير أمنستي وتناقضات “أبطال” السَردية المفقودة

بواسطة الجمعة 2 أكتوبر, 2026 - 11:19

أطل علينا هشام المنصوري، عبر شاشة قناة “فرانس 24” في الأول من أكتوبر 2026، متحدثاً بصفته “صحفياً استقصائياً” ومُدافعاً شرساً عن التقرير الثالث لمنظمة العفو الدولية (أمنستي) حول المزاعم المتكررة لاستعمال المغرب لبرمجية “بيغاسوس”. 

وفي مداخلته، حاول المنصوري إضفاء طابع علمي ومهني على تقرير يمتد لـ 120 صفحة، زاعماً أنه ثمرة ثلاث سنوات من “التحقيق الجاد”. لكن، بقراءة متأنية ومحايدة لما تفوه به المنصوري، ومقارنته بالمعطيات السابقة والمنطق السليم، تبرز لنا ثقوب واسعة وتناقضات صارخة تنسف هذه السردية من جذورها، وتحولها من “تحقيق استقصائي” إلى مجرد حملة سياسية مكشوفة الأهداف.

1. مصداقية المُتحدّث: من قفص الاتهام الجنائي إلى منصة “الاستقصاء”

قبل الغوص في التفاصيل التقنية للتقرير، تقتضي أبجديات التحليل تفحص مصداقية حامل الرسالة، حيث يقدم هشام المنصوري نفسه اليوم كضحية ومدافع عن حقوق الإنسان، متناسياً أن المتابعة القضائية التي طالته في المغرب كانت في الأساس متعلقة بملف ذي طابع أخلاقي وجرائم جنسية واضحة المعالم، حيث تورط في الاستغلال الجنسي لسيدة متزوجة.

إن محاولة “تبييض” السجل الجنائي عبر الاختباء خلف يافطة “الصحافة الاستقصائية” والادعاء بأن المتابعات القانونية هي جزء من “منظومة تشهير ومراقبة” (كما زعم في تقسيمه لمراحل الاستهداف)، ليست سوى حيلة هروب إلى الأمام، حيث إن الشخص الذي يحمل ضغينة شخصية ويسعى لتصفية حسابات مع مؤسسات الدولة لتبرير أخطائه السابقة، يفقد تلقائياً شرط التجرد والموضوعية، فكيف يعترف بمشاركته في صياغة تقرير يدعي الحياد وهو في الواقع خصم وحكم في آن واحد؟

2. لغز الأرقام: أين اختفت الـ 49 ألف و897 حالة؟

تعتبر لغة الأرقام الفاضح الأكبر لهذه السردية، ففي بداية “الزوبعة” عام 2021، أطلقت منظمة العفو الدولية وائتلاف “فوربيدن ستوريز” رقماً مرعباً تصدر كبريات الصحف العالمية: “المغرب استهدف 50 ألف رقم هاتفي”، وكان الهدف حينها إحداث صدمة إعلامية دولية.

واليوم، وبعد “ثلاث سنوات من التحقيق المعمق” كما يدعي المنصوري، يخرج التقرير الثالث ليقلص هذا الرقم المهول إلى 103 هواتف فقط! لكن السؤال البسيط الذي يطرحه المنطق العقلاني: أين تبخرت بقية الأرقام؟ وكيف يمكن لمنظمة دولية تدعي الدقة أن تخطئ في تقديراتها بهذا الحجم الفاضح، لتنتقل من 50 ألفاً إلى العشرات؟ فهذا التراجع الرقمي الخطير يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستراتيجية المعتمدة هي “التهويل الشعاراتي” أولاً، وحين تحين لحظة تقديم الأدلة، يتقلص الجبل ليلد فأراً.

3. “فيلا بيغاسوس”: قمة الاستخفاف بعقول المتابعين

من أكثر النقط إثارة للسخرية في مداخلة المنصوري، إشارته إلى أن تسليم وتقديم برنامج “بيغاسوس” الفائق التطور جرى في “فيلا” سكنية بالرباط، لتطفو على السطح محاولة بائسة لإقناع الرأي العام بأن دولة مؤسسات تمتلك أجهزة أمنية مشهود لها بالكفاءة عالمياً، تدير منظومات سيبرانية بالغة الحساسية والتشفير من داخل “فيلا سكنية” عوض مؤسسات أمنية سيادية وعالية التأمين، في استخفاف حقيقي بالذكاء. 

وهذه السردية الشعبوية تشبه إلى حد بعيد أفلام التجسس الهوليودية من الدرجة الثالثة، وتعكس جهلاً مدقعاً من مُعدّي التقرير ببروتوكولات الأجهزة الاستخباراتية المحترفة.

4. تناقضات “التجريب”: بين هواتف الموظفين وهاتف المدير

زعم المنصوري في مقابلته أن “التجارب الأولية لاختبار فاعلية البرنامج أُجريت داخلياً على هواتف ضباط وأفراد تابعين للديستي”. وهذا الادعاء يصطدم بجدارين من التناقض، الأول يقول ببساطة لماذا ستحتاج الاستخبارات المغربية لتجريب برنامج “بيغاسوس” لاختبار فاعليته، والحال أن هذا البرنامج (الذي تنتجه شركة NSO) كان قد أثبت فاعليته المروعة مسبقاً في العديد من دول العالم الكبرى، بما فيها إسبانيا ودول أخرى؟ فالدول لا “تجرب” أسلحة سيبرانية معتمدة ومُجربة عالمياً على موظفيها للتأكد من اشتغالها.

أما الجدار الثاني والأكثر إحراجاً، ففي النسخ الأولى من السردية (التقارير السابقة)، روج نفس الأشخاص أن المغرب اخترق هاتف السيد عبد اللطيف حموشي شخصياً كجزء من عملية المراقبة التجريبية!، واليوم يتم تغيير القصة لتصبح “تم تجريبه على موظفين عاديين”. فهذا التخبط في تحديد من كان “فأر التجارب” يؤكد أن القصة تُكتب وتُعدل حسب الحاجة الإعلامية لكل مرحلة.

5. العميل “سفير”: الشبح الذي يعوض غياب الأدلة

يقر المنصوري بأن “الجديد” في هذا المسار هو الاعتماد على شهادة ضابط سابق مزعوم أُطلق عليه اسم “سفير”، والحقيقة أن هذا ليس بجديد؛ فهذا العميل المزعوم والمجهول الهوية هو نفس المرجع “الشبح” الذي تم الاعتماد عليه في التقرير الثاني لمنظمة العفو الدولية. إن إعادة تدوير نفس الشهادة الوهمية في تقرير جديد، يؤكد إفلاس الجهات المعادية للمغرب في إيجاد أي دليل مادي، وفني، أو جنائي ملموس، مما يضطرهم للجوء إلى ورقة “المصادر المجهولة” التي لا يمكن التحقق من صحتها، ولا حتى من وجودها الفعلي.

6. جوقة “الطابور الخامس”: وجوه تتغير والهدف واحد

لا يمكن قراءة هذه الخرجة الإعلامية بمعزل عن السياق العام لمنظومة “الاسترزاق الحقوقي”. إن سردية بيغاسوس تحولت إلى حصان طروادة تمتطيه نفس الوجوه دائماً كلما أحست بالعزلة أو واجهت قضايا حق عام. فهشام المنصوري، وسليمان الريسوني، والمعطي منجب، وفؤاد عبد المومني… وآخرون في الطريق، يشكلون ما يشبه “الطابور الخامس” الذي يسارع للركوب على أي زوبعة خارجية لتقديم أنفسهم كمعارضين مستهدفين، بغية الإفلات من المحاسبة في قضايا لا علاقة لها بحرية التعبير (جرائم مالية، واعتداءات جنسية، إلخ).

وحتى عند محاولة هشام المنصوري شرح قوة المخابرات المغربية، وقع في تناقض عجيب حين دمج بين “بيغاسوس” وبين “المقدمين والشيوخ والممارسة التقليدية للمخزن”. فهذا المزج الغريب بين التكنولوجيا الفائقة والآليات التقليدية ليس سوى محاولة يائسة لـ “مغربة” سردية مستوردة وجعلها قابلة للهضم لدى المتلقي الأجنبي الذي يعشق الصورة النمطية.

وفي ختام مقابلته، طالب المنصوري بـ “الاعتراف، والمحاسبة، والرقابة”. لكن الأجدر أن تُوجه هذه المطالب لمنظمة العفو الدولية وصبيانها. يجب محاسبتهم على التلاعب بالأرقام (من 50 ألفاً إلى 103)، ومساءلتهم عن غياب الأدلة المادية المستقلة، والرقابة على تمويلاتهم وأجنداتهم.

إن التقرير الأخير، ومداخلة هشام المنصوري، ليسا سوى حلقة جديدة في مسلسل رديء الإخراج، أبطاله أشخاص ذوو سوابق يبحثون عن بطولات وهمية، في مواجهة مؤسسات وطنية أثبتت كفاءتها ومهنيتها بشهادة القوى العظمى، وتترفع عن الرد على حكايات تُنسج داخل “فيلات خيالية”.

آخر الأخبار

الجيش الملكي يطرح قميصه الرسمي الجديد للبيع
طرح فريق الجيش الملكي لكرة القدم قميصه الرسمي الخاص بالموسم الرياضي 2026-2027 للبيع ابتداء من اليوم الخميس فاتح أكتوبر، وحدد سعره النهائي في 600 درهم. وكشف الجيش أن هذا القرار اتخذ بعد مفاوضات مطولة أجراها النادي مع شريكه في التجهيزات الرياضية شركة “بوما”، والتي كانت قد حددت سعر البيع في البداية عند 900 درهم نظرا […]
تكريم الروائي المغربي مبارك ربيع بالقاهرة
جرى، اليوم الخميس بالقاهرة، تكريم الأديب والروائي المغربي مبارك ربيع، ضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة لمسابقة «ديوان العرب» للدراسات النقدية، التي خُصصت هذه السنة لموضوع «فلسطين في الرواية العربية». وجاء تكريم مبارك ربيع ضمن فقرة «حراس المعنى وصناع الذاكرة»، التي احتفت بعدد من رموز الثقافة العربية، تقديرا لمساره الأدبي والفكري وإسهاماته في إثراء الرواية والقصة […]
الأسود يواصلون استعداداتهم لمواجهة مالي ومزراوي يعود إلى يونايتد
أجرى المنتخب الوطني، يومه الخميس فاتح أكتوبر، حصة تدريبية بمركب محمد السادس لكرة القدم، وذلك قبل ثلاثة أيام من المباراة الدولية الودية التي ستجمعه بمنتخب مالي. وانطلقت هذه الحصة التدريبية، التي امتدت لمدة تسعين دقيقة، في الساعة السادسة مساء، وخصصها الطاقم التقني لمواصلة العمل التحضيري استعدادا لهذه المواجهة. وشارك في هذه الحصة التدريبية جميع لاعبي […]