أثار المقال الذي نشرته صحيفة “إل كونفيدينسيال” الإسبانية، بتوقيع الصحفي المثير للشفقة إغناسيو سمبريرو، استهجاناً كبيراً؛ إذ حاول تحوير قضية توقيف الصحفي المغربي علي المرابط في مطار طنجة، معتبراً إياها بشكل تدليسي وخبيث شرارة أزمة دبلوماسية محتملة بين المغرب من جهة، وفرنسا (بلد الجنسية) وإسبانيا (بلد إقامة المرابط) من جهة ثانية.
غير أن قراءة موضوعية وهادئة للحدث، بعيداً عن نظريات المؤامرة المغلّفة بنظرة استعمارية استعلائية تُعد السمة الرئيسية لكتابات سمبريرو، تؤكد أن هذا الإجراء يندرج في صميم الممارسة الشرعية المستمدة من السيادة المغربية، وهو ما يفرض على باريس ومدريد احترام القضاء المغربي والابتعاد عن أي تسييس للملف، تماماً كما تتعاملان بثقة تامة مع المملكة في مجالات التعاون الأمني والاستخباراتي والقضائي.
ومن المُسلّمات التي يجب على سمبريرو أن يتجرّعها، أن إجراءات توقيف علي المرابط بالمعبر الحدودي بمدينة طنجة، تستند بالأساس إلى مبدأ “إقليمية القوانين” المتعارف عليه عالمياً، فقد تم توقيفه على التراب المغربي، وبناءً عليه، فإن أي شخص يتواجد على أراضي المملكة يخضع بشكل تلقائي لقوانينها ولسلطتها القضائية، بعيداً عن أي محاولات خارجية للتأثير أو ممارسة الضغط السياسي.
ورغم حيازته الجنسية الفرنسية وإقامته الطويلة في إسبانيا، فإن هذه الامتيازات الإدارية لا تمنح علي المرابط أي حصانة استثنائية تعفيه من المساءلة القانونية، إذ تظل التحقيقات التي تباشرها النيابة العامة والفرقة الوطنية للشرطة القضائية اختصاصاً حصرياً للمؤسسات الوطنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الشأن الداخلي والنظام العام.
ومن جهة أخرى، يتجاهل التوجه الإعلامي (الذي يقوده سمبريرو ومنظمة “مراسلون بلا حدود” وباقي الجهات التي تمارس تدخلات سياسية في هذا الملف) طبيعةَ العلاقات الثنائية القائمة على الندية والموثوقية بين المغرب من جهة، وفرنسا وإسبانيا من جهة ثانية.
ففرنسا وإسبانيا تتعاونان بشكل وثيق ويومي مع الأجهزة الأمنية والقضائية المغربية في قضايا شديدة التعقيد، كالإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة، وتعتمدان بشكل كامل على كفاءة وصرامة الإجراءات المغربية عند تنفيذ عمليات التسليم المراقب أو توقيف المطلوبين دولياً.
لذلك، فمن التناقض الصارخ والمرفوض أن تثق هذه الدول بالقضاء والأمن المغربيين لحماية أمنها القومي، وتشكك فيهما أو تحاول الضغط عليهما (حسب ما يتمنى سمبريرو ودعاة النزعة الاستعمارية) عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون لحماية المؤسسات المغربية.
ثم إن محاولات تحويل مسار قضية معروضة على أنظار العدالة إلى ورقة للضغط الدبلوماسي تتعارض مع المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية، فالملف حالياً في عهدة النيابة العامة التي تمارس اختصاصاتها باستقلالية تامة، وأي محاولة للتدخل الخارجي تُعد مساساً صريحاً بالشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة.
إن الشراكة الاستراتيجية التي تربط المغرب بفرنسا وإسبانيا يجب أن تُبنى دوماً على الاحترام المتبادل والمساواة، وهو ما يقتضي بالضرورة الثقة بالمؤسسات القضائية المغربية، بعيداً عن أي ازدواجية في المعايير أو إملاءات سياسية مرفوضة، خصوصا إذا كانت هذه الإملاءات مدفوعة من جهات حرضت علي المرابط على دخول المغرب بشكل استفزازي في هذا التوقيت بالضبط، رغم علمها بالملفات القضائية المفتوحة بحقه.
.
