في مفارقة حادة بين الخطاب الرسمي والممارسة على أرض الواقع، كشفت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الداخلية الجزائرية بتاريخ 4 أغسطس 2025، منع صريح لتنظيم أي تجمّع جماهيري في الشوارع دعماً للقضية الفلسطينية. وقد وجه وزير الداخلية، محمود جامع، تعميماً لأمناء الأحزاب السياسية، شدّد فيه على ضرورة الاكتفاء بالفعاليات الرمزية داخل القاعات المغلقة، ومنع أي رفع للعلم الفلسطيني في الفضاءات العمومية.
المثير في الوثيقة هو التناقض الكبير الذي تعكسه بين ما تروجه السلطة عبر الإعلام من دعم غير مشروط لفلسطين، وبين النص الذي يحرّم حتى الشكل الرمزي لهذا الدعم في الشوارع. وتوضح الوثيقة أن هذا المنع يستند إلى القانون رقم 89-28 المتعلق بالتجمعات والمظاهرات العمومية، لكن الموقف يعكس ما هو أبعد من قيود قانونية، بل خشية السلطة من انفجار غضب شعبي يطلق شعارات تتخطى فلسطين إلى مطالب اجتماعية وسياسية.
وتبين الوثيقة أن النظام الحاكم يرى في أي تحرّك شعبي — حتى لو كان مرتبطاً بالقضية الفلسطينية — خطرًا محتملاً على استقراره، خصوصاً في ظل ارتفاع الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي داخل البلاد. إذ أن الجزائر، رغم ما تصرفه من مساعدات خارجية ضخمة، لا تسمح لمواطنيها إلا بنبرة تنديد رمزية داخل القاعات، خوفًا من تعاظم صوت الشارع.
الرسالة الرسمية التي وجهت للأحزاب أمرت بوقف أو تنظيم أي احتجاج شعبي، بحجة تطبيق القانون، لكن المقاربة تؤكد أن القضية لا تتعلق بالسيادة أو القانون، بل بالتحكم في الساحة الداخلية. فالنظام العسكري لا يخشى مجرد العلم الفلسطيني على الأرصفة، بل يخشى انعكاسه كرمز للاحتجاج على الديناميات الداخلية المتأزمة.
من هنا، تتبدى المفارقة: السلطة تتمسك بخطابات التضامن على المنابر الدولية، لكنها تخنق حتى الرسائل الرمزية في الداخل. فلسطين بالنسبة لها ليست قضية، بل ستارًا لتغطية أزمة داخلية. أما التضامن الحقيقي، فقد أصبح محظورًا في الشوارع.
