رومانو برودي: المغرب شريك طبيعي لإيطاليا

بواسطة الجمعة 9 أكتوبر, 2026 - 16:21
Romano Prodi, Italian Prime Minister, was received by José Manuel Barroso, president of the EC

بقلم رومانو برودي*

شهدت التحولات السياسية المتواصلة خلال السنوات الأخيرة تراجع قوى عريقة وصعود فاعلين جدد، في ظل منافسة عالمية تتغير ملامحها من يوم إلى آخر.

وعادةً ما توحي بداية من هذا القبيل بتحليل العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. لكنني أود، بدلًا من ذلك، أن أتوقف بإيجاز عند حقيقة مفادها أن البلدان التي يُنظر إليها على أنها أقل شأنًا تستطيع هي الأخرى اغتنام الفرص المتاحة لتعزيز موقعها والاستفادة من هذه التحولات. وهي تحولات لا تقتصر، في حالتنا هذه، على المناخ بمعناه الجوي، بل تشمل، بالأساس، المناخ السياسي والاقتصادي.

وأود أن أتخذ من المغرب مثالًا على ذلك، بالنظر إلى علاقاته الوثيقة مع إيطاليا.

وتشير أحدث بيانات المعهد الإيطالي للإحصاء إلى أن 413 ألف مواطن مغربي يقيمون في إيطاليا، وأن الجالية المغربية تحتل، إلى جانب الجالية الألبانية، المرتبة الثانية بين الجاليات الأجنبية الأكثر استقرارًا وتجذرًا في البلاد.

ويضاف إلى ذلك تزايد تدفق السياح إلى هذا البلد الإفريقي الذي، رغم أن عدد سكانه يقل عن 40 مليون نسمة، يؤدي دورًا محوريًا في العلاقات بين إفريقيا وأوروبا، كما يشهد حضورًا متناميًا في العلاقات بين البلدان الإفريقية.

ويأتي كل ذلك في إطار حرص المغرب على الحفاظ على علاقاته الدولية بوصفها ركيزة ثابتة، ليس مع الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا مع الغالبية العظمى من بلدان العالم، على خلاف ما هو قائم لدى الدول الأخرى الإفريقية التي تعيش عادة تحت مظلة قوة أجنبية. وتكتسب هذه الاستراتيجية، في مرحلة تتسم بتقلب التحالفات على نحو متزايد، أهمية أساسية في استقطاب الاستثمارات الأجنبية، التي ترى في الرباط، بفضل استمرارية الحكومة التي يضمنها الدور الخاص للمؤسسة الملكية، عنصرًا للاستقرار والأمن لا تجده في بلدان أكبر وأكثر قوة.


وأود، في هذا السياق، أن أذكر بعض الأمثلة التي توضح بصورة أفضل النهج الذي يسلكه المغرب.


أولها، بطبيعة الحال، ميناء طنجة، الذي تدعمه الرؤية الوطنية الرامية إلى جعل المغرب جسرًا يربطه بالعالم بأسره. ويبلغ حجم نشاطه 12 مليون حاوية سنويًا، وهو ما يعادل إجمالي حركة الحاويات في جميع الموانئ الإيطالية.
وعلى بعد بضع عشرات من الكيلومترات من طنجة، على الساحل المتوسطي، يجري بناء ميناء عملاق ثانٍ، بلغ مرحلة متقدمة من الإنجاز، وسيكون متخصصًا في عمليات النقل المرتبطة بالصناعة والنفط والطاقة.


أما المثال الثاني، إلى جانب استقطاب المغرب صناعة طيران وفضاء استثنائية تضم شركات دولية كبرى، فيتعلق بصناعة السيارات. فقد تجاوز إنتاج السيارات المغربية، خلال السنة الماضية، نصف مليون وحدة، أي ضعف الإنتاج الإيطالي.


وبطبيعة الحال، فإن الشركات التي تستقر في المغرب لا تستهدف السوق الداخلية وحدها، بل تراهن أيضًا على التصدير. وهذا ما يفسر أحد الاستثمارات الصينية الضخمة في قطاع البطاريات، المخصصة للسيارات، وكذلك لتخزين الطاقة اللازمة لمواجهة تقلبات إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية.
وستتجاوز كلفة هذا المشروع، الذي يمتد على مساحة 600 هكتار، ستة مليارات يورو، على أن يتم افتتاحه خلال الشهر المقبل. ولا يوجد مشروع مماثل له من حيث الحجم في أي بلد أوروبي. فقد صُمم لإنتاج البطاريات وتصديرها إلى مختلف أنحاء العالم، مع الحد من العوائق التي تفرضها التوترات السياسية.


ومن الطبيعي أن تكون التكنولوجيا الأساسية صينية، في حين تأتي المواد الأولية بصورة متزايدة من إفريقيا، وكذلك اليد العاملة. وعند بلوغ المشروع طاقته التشغيلية الكاملة، سيشغّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نحو 25 ألف عامل مغربي، يُنتظر أن يتلقوا تكوينًا عبر برامج تدريبية متخصصة للغاية.


لقد استعرضت، بطبيعة الحال، أبرز نقاط القوة في بلد لا تزال أمامه مشكلات مهمة يتعين عليه مواجهتها. فمتوسط دخل الفرد فيه يقل عن خمسة آلاف دولار سنويًا، مقارنة بأكثر من 40 ألف دولار في إيطاليا. كما لا تزال هناك فوارق واسعة بين المدن والقرى، فيما لم يبلغ نظام التعليم بعد المستوى المطلوب في مرحلتي التعليم الثانوي والجامعي، ويعاني القطاع الصحي نقصًا في عدد الأطباء، فضلًا عن وجود مستشفيات لا تواكب، في كثير من الأحيان، متطلبات العصر.


وتشكل الاستثمارات الأجنبية والجهود العامة الاستثنائية في مجال البنية التحتية أساسًا لمعدلات التنمية المرتفعة التي حققها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وسيجد السائح الذي سيزور المغرب لمتابعة نهائيات كأس العالم لكرة القدم المقبلة شبكة طرق سريعة متطورة، وخطوطًا للقطارات فائقة السرعة تربط بين مختلف المدن الكبرى.


غير أن مواصلة هذا التطور تظل مشروطة بإحداث تحول شامل في المقاولات الصغيرة، التي تهيمن على مختلف القطاعات، وتعاني مستويات إنتاجية تقل عن متطلبات بلد يطمح إلى مواصلة التحديث ومواكبة العصر.
وبالعودة إلى العلاقات بين إيطاليا والمغرب، لا بد من الإقرار بأن العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين لا تزال، رغم التقارب الجغرافي بينهما، دون مستوى الإمكانات المتاحة، وذلك بسبب التوترات بين المغرب والجزائر بشأن الصحراء الغربية.


فإيطاليا، خصوصًا بعد انقطاع إمدادات الغاز الروسي، تجد نفسها مضطرة إلى الإبقاء على وارداتها من الغاز الجزائري، نظرًا إلى أهمية الجزائر بوصفها موردًا أساسيًا للطاقة. وهذا الوضع يحول دون تطور التقارب الطبيعي بين المغرب وإيطاليا إلى تعاون شامل.
ويبدو أن العلاقات التي يحرص المغرب على بنائها مع مختلف دول العالم تجد استثناءً لها في علاقته بالجزائر، التي تشهد منذ سنوات حالة من الانسداد المستعصي على الحل، وكذلك في علاقاته مع جميع الأطراف التي تفرض عليها مصالحها التعامل مع الجزائر.


ولا يبقى أمامنا سوى الأمل في أن يكون بالإمكان معالجة هذا الخلاف، الذي يلحق الضرر بالطرفين، والتوصل إلى تسوية تقوم على التوافق.
فالتسوية الحكيمة لا تمثل أسمى تعبير عن حسن التقدير فحسب، بل تشكل أيضًا خطوة تحقق مكاسب لجميع الأطراف التي تنجح في التوصل إليها.

*رئيس وزراء إيطاليا السابق

*رئيس المفوضية الأوروبية السابق

آخر الأخبار

رسميا.. التقدم والاشتراكية يستعيد فريقه النيابي المكون من 22 عضوا
استعاد فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب قوته العددية التي كان يتمتع بها خلال الولاية التشريعية السابقة (2021-2026)، بعدما ارتفع عدد أعضائه إلى 22 نائبا ونائبة، إثر انضمام ثلاث نائبات برلمانيات إليه. وجاء هذا التطور عقب اتفاق سياسي أفضى إلى التحاق نائبة برلمانية عن حزب الديمقراطيين الجدد، ونائبتين برلمانيتين عن حزب جبهة القوى الديمقراطية، ليرتفع بذلك […]
سلا.. حجز 3544 قرصا مخدرا و230 غراما من الكوكايين وتوقيف مبحوث عنهما
تمكنت عناصر المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية بمدينة سلا، في الساعات الأولى من صباح اليوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، من توقيف شخصين يشتبه في تورطهما في قضية تتعلق بحيازة وترويج المخدرات والمؤثرات العقلية. وقد جرى توقيف المشتبه فيهما متلبسين بحيازة وترويج المخدرات على متن دراجة نارية لا تتوفر على وثائق قانونية، حيث أسفرت عملية الضبط والتفتيش […]
نشرة إنذارية...زخات رعدية قوية مصحوبة بتساقط البرد وهبات رياح اليوم الجمعة
تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية تسجيل زخات رعدية قوية، مصحوبة بتساقط البرد وهبات رياح، اليوم الجمعة بعدد من مناطق المملكة. وأوضحت المديرية، في نشرة إنذارية من مستوى يقظة “برتقالي”، أنه من المرتقب تسجيل زخات رعدية قوية (من 20 إلى 30 ملم) مصحوبة بتساقط البرد وهبات رياح بكل من عمالات وأقاليم الرشيدية، وميدلت، وبولمان، وكرسيف، وفكيك، […]