سوريا والنموذج الأفغاني

بواسطة الخميس 23 يناير, 2025 - 14:15

مخاوف الأخونة خيمت على أجواء سوريا ـ على الأقل على مستوى التحليل والنقاشات ـ عقب سيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة وانهيار نظام بشار الأسد، ورغم أن أحمد الشرع قائد الإدارة السورية الجديدة قد حرص على بث صورة مغايرة، نافياً سيناريو تحويل سوريا إلى نسخة من أفغانستان، حيث قال نصاً في حديث متلفز إن البلدين مختلفان للغاية ولديهما تقاليد مختلفة، معتبراً أن أفغانستان مجتمع قبلي في حين لدى سوريا عقلية مختلفة، مؤكداً إيمانه بتعليم النساء، إلا أن محاولات الشرع ورسائله جميعها لم تنجح ـ على الأقل ـ حتى الآن في طمأنة الكثيرين حول العالم، من تصرفات حكام سوريا الجدد، واحتمالات انتقال هذا البلد من الديكتاتورية البعثية إلى ديكتاتورية دينية قد ترتدي ثوب “الشعبوية” والادعاء بأنها تحتكم إلى رأي غالبية الشعب السوري للتهرب من اتهامها بالتطبيق القسري للنموذج الديني المتشدد في الحكم.

بعيداً عن الجدل المثار عبر السوشيال ميديا بشأن علاقة الحكم السوري الجديد بماضيه، فإن الموضوعية تقتضي القول بأن الإدارة السورية الجديدة ليست بعيدة تماماً وبشكل قطعي عن سيناريو/ نموذج  ;الأفغنة ولكنها تحاول بذل الجهد في “إخراج& ; مشهد سياسي جديد يمكن أن يحظى بالقبول الاقليمي والدولي، ووسط كل ذلك لفت وزير العدل السوري الجديد الانتباه سواء بمواقف وأفعال سابقة له موثقة تعزز المخاوف بشأن توجهاته وأفكاره، أو حتى بأفكاره الحالية “الجديدة”، إذ يبدو واضحاً أن تجربة “ما تسمى بـ”حكومة الانقاذ” في إدلب” تمثل مرجعية للوزراء السوريين الجدد، بل إن اختيار وزراء الحكومة الانتقالية ممن عملوا سابقاً في تلك الفترة يبدو وكأنه “مكافأة” من قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع لرفاقه بعد النجاح في تحقيق أهدافهم، وهذا بحد ذاته أمر لا يبشر بالخير ولا يبعث على التفاؤل لاسيما في ظل إسناد حقائب وزارية لأجانب وكأن سوريا قد خلت من الكوادر البشرية المؤهلة لإدارة المرحلة الانتقالية الراهنة، ما يعكس انغلاقاً على الذات وغياباً للثقة من جانب الإدارة الانتقالية الجديدة التي يبدو أنها تكرر أخطاء التنظيمات الإسلامية التي سبق لها تولي الحكم في دول عربية أخرى وكانت هذه الأخطاء من بين عوامل فشلها!

لم تنتظر الإدارة السورية الجديدة حتى صياغة أسس دستورية وقانونية جديدة للحكم وسارعت إلى التلميح بإحداث تحول جذري في النظام القضائي السوري متناسية الدستور والقانون الوضعي ليعتمد على الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع وهي معضلة إذ كيف ستقام دولة وطنية بدون دستور وضعي وقوانين وضعية، والمسألة هنا لاتتعلق بالشريعة بل بالفكرة نفسها وكيفية تطبيقها وتوقيت ذلك، ومن ثم أدلجة النظام القضائي بشكل متسرع في دولة علمانية أساسا وتضم أطيافاً دينية عرقية ومذهبية وطوائف عديدة، حيث ستبرز حتماً معضلات تتصل بحقوق المرأة والأقليات والحريات الدينية وغيرها.

التلويح بفكرة “خيار الشعب” هي المدخل الذي تحدث عنه شادي الويسي وزير العدل في الإدارة السورية الانتقالية، للتمسك بفكرة تحكيم الشريعة خلال المرحلة المقبلة، وهذا الحديث يثير مخاوف حقيقية حول النوايا لأننا لو سألنا حكومة طالبان الأفغانية لردت بالأجابات ذاتها في سياق تبرير تمسكها بتطبيق أيديولوجية دينية متشددة، فدائماً ما يكون التبرير مغلفاً برغبة غالبية الشعب وقناعته، وهذا حديث إفك لم تثبت جديته في أي اختبار فعلي.

لا ندري لماذا اختارت الإدارة السورية الجديدة التورط في جدل مبكر حول حقوق الأقليات، ودخلت في سباق تخمينات ومخاوف عبر تعيين شادي الويسي ذاته وزير للعدل، رغم ما يتردد بشأن ممارساته في إدلب، وضعف خلفيته العلمية والمعرفية التي تؤهله لتولي حقيبة مهمة كهذه في مرحلة حساسة للغاية، والأهم من ذلك أنه اختار الدخول في مناطق شائكة وفتح أبواب التكهنات بتصريحاته التي أوحى فيها بأن نظام الحكم الديني سيطبق ولكن من خلال مظلة برلمانية يعتقد أنها توفر لهذا النموذج الحصانة اللازمة للتطبيق والقبول الشعبي فضلاً عن الاقليمي والدولي!

نموذج الحكم الذي يحلم به الشرع ورفاقه لن يكون مقبولاً من السوريين وما نراه حالياً ليس سوى مرحلة مؤقتة سرعان ماستتلاشى بتزاحم الوجوه القادمة من “حكومة إدلب” لقيادة سوريا الجديدة، التي لا يبدو فيها مكاناً حتى الآن لقيادات من خارج هذه المجموعة سوى للسيدة ميساء صابرين، التي عينت في منصب محافظ المصرف المركزي السوري، ربما لأنهم لا يمتلكون كوادر من يستطيع تولي هذه المنصب الحساس للغاية، فضلاً عن أن تعيينها وفر لهم فسحة من الادعاء باحترام المرأة.

لا أحد يتمنى فشل سوريا الجديدة، ولا أحد أيضاً يعمل على إفشال هذه التجربة لأن الجميع في منطقتنا ـ ببساطة ـ قد تعب من الحروب والصراعات والأزمات، والكل يريد ويحلم بالأمن والاستقرار والتعايش والتوافق الوطني، وبالتالي فإن الكرة في ملعب القادمين الجدد من خلفيات تنظيمات إرهابية متطرفة لا يمكن لها أن توفر لهم قاعدة ثقة مطلقة بين عشية وضحاها، ومن ثم عليهم عبء طمأنة الجميع بأفعالهم وسلوكياتهم وليس بأقوالهم فقط، فالكل في منطقتنا يتكلم ويجيد الكلام وترديد الشعارات ورفع الرايات منذ حقب زمنية طويلة، ولكن التجربة علمتنا أن قليلون هم من يعملون لمصلحة دولهم وشعوبهم وينأون بأنفسهم عن عوامل الفشل والتردي والاحباط التي تغذي غضب الشعوب وتخلق بيئة حاضنة للإرهاب والتطرف وكل ما تؤول إليه من كوارث يعرفها الجميع.

آخر الأخبار

مغاربة العالم حولوا أزيد من 61 مليار درهم في 6 أشهر
على غرار السنوات الستة الماضية، يواصل المغاربة القاطنين بالخارج ضخ المزيد من التحويلات لتي تحسن مع متم يونيو الماضي بحوالي 10 في المائة. في التقرير الأخير الذي عممه مكتب الصرف، حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، سجلت تحويلات المغاربة القاطنين بالخارج 61.48 مليار درهم خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026،  وذلك مقابل 55.95 مليار درهم […]
رئيس ليل: تلقينا عروضا رسمية للتعاقد مع بوعدي لكنها غير كافية
أوضح أوليفيي ليتانغ، رئيس نادي ليل الفرنسي، الموقف الحالي للدولي المغربي أيوب بوعدي، بعد التقارير الإعلامية التي ربطته بالانتقال إلى الأندية الكبيرة الأوروبية خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية. ​وقال ليتانغ، خلال مؤتمر صحفي عقده عشية اليوم الجمعة، أن ليل تلقى بالفعل عروضا رسمية من أجل التعاقد مع بوعدي، إلا أنه وصف تلك العروض بـأنها غير […]
صابيري يلتحق بجواد الياميق في الدوري التركي
أعلن أيوب سبور التركي لكرة القدم رسميا عن تعاقده مع الدولي المغربي عبد الحميد صابيري خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية، ليدعم صفوف الفريق “البنفسجي والأصفر” استعدادا للاستحقاقات القادمة. ​ورحب الفريق التركي باللاعب المغربي متمنيا له مسيرة حافلة بالنجاحات مع الفريق، ليخوض بذلك صابيري تجربة جديدة في مسيرته الاحترافية عبر بوابة الدوري التركي. وسيجاور صابيري في […]