في عالم الصحافة الاستقصائية، حيث يَبحث الصحفيون عادة عن المتاعب نِسبة إلى تسمية المهنة ذاتها “مهنة المتاعب”، قَرَّر الإسباني عبد الحق إغناسيو سمبريرو أن يَبحث عن موارد أكثر ربحية. لذلك، كان هذا الصحفي العرّاب المتخصص في تقارير “Forbidden stories” التي تَستهدف المغرب، ظاهرة شاذة تستحِق الدراسة والتمحيص.
فبينما يَتدثر بوَجه إعلامي يُشِع بـ”النزاهة” و”المصداقية”، يُخفي في كواليسه سِجلاً حافلاً بالتلاعب والقَفز اللا أخلاقي فوق أسوار الأخلاقيات المهنية، تاركاً الرأي العام يَتساءل في حيرة: كيف لا يَزال هذا “المناضِل” الصحفي يَكتب مقالاته من مكتبه المريح بدلاً من زنزانة دافئة؟
فيا له من أب حنون! ففي عام 2013، بينما كانت إسبانيا تئن تحت وطأة أزمة بطالة طاحنة تعصِر الشباب، لم يَقف سمبريرو مكتوف الأيدي أمام مُستقبل ابنته الشابة “إلزا ماريا”، فبمجرد أن استلمت شهادة التخرج من جامعة بومبيو فابرا، لم يُرسلها للبحث عن وظيفة كباقي البشر، بل أهداها صَفقة ترجمة كتاب “الأمير المنبوذ” للأمير هشام! ومن يَحتاج إلى خِبرة مِهنية عندما يَكون والده هو المفاوِض السري الذي يُدير اللعبة من الخَلف؟
وبطبيعة الحال، لم يَكن اختباء سمبريرو الأب خلف اسم ابنته في عقد الترجمة سوى حركة “تكتيكية” بريئة جداً للتهرب الضريبي، وتجنباً لإحراج نفسه مع مُشغله الجديد وَقتها في صحيفة “إلموندو”.
لقد أثبت سمبريرو، بتعاون مَشكور مع زميله الحسين مجدوبي، أن الترجمة فهلوة وفن.. وخاصة فن مُضاعفة الأسعار بخمس مرات عن المعتاد في السوق! فما المانع من استنزاف جيب أمير يَبحث عن ترويج خطابه، وتحويل الأموال السخية عبر الولايات المتحدة إلى حساب بنكي في غرناطة؟ حتى أن الشرطة الدولية (الأنتربول) توقفت طويلاً لتتأمل هذا الإبداع المالي العابر للقارات، الذي حول فتاة شابة مُبتدئة إلى واجهة لـ”ستارتاب” عائلي شديد الربحية.
“عبد الحق” وفتوحات الإسلام التكتيكي في العيون
إذا ظَنِنت أن إبداعات سمبريرو تتوقف عند حدود الهندسة المالية، فأنت لم تتعرف بعد على جانبه “الروحي”. ففي 6 يونيو 2005، شَهد مكتب التوثيق بالمحكمة الابتدائية بمدينة العيون ولادة نجم إسلامي جديد: “عبد الحق سمبريرو فازكيز اغناسيو”، حيث تخلَّل نور الإيمان قلب الرجل فجأة، فتَرك المسيحية واعتنق الإسلام أمام العدول، ولم ينسَ أن يأخذ معه زوجته التي تحولت بقدرة قادر إلى “سارة”، في لحظة خُشوع تقشعِر لها الأبدان في السجلات الرسمية المغربية!
لكن، وكما هو الحال في كل مسلسلات سمبريرو، سُرعان ما نَكتشف أن هذا “الإسلام التكتيكي” لم يكن سوى اشتراك مجاني مؤقت (Free Trial) لفتح أبواب نظام الكفالة المغربي. فصاحبنا لم يَكن يَبحث عن طريق للجنة والفردوس الأعلى، بل عن ثَغرة قانونية لتبني طفلة مغربية يَنسبها لصلبه الناضب.
إنها بلا شك طريقة مبتكرة جداً في عالم الالتفاف على القوانين والديانات، تفتح شهية المتاجرين بالبشر الذين وجدوا في ارتداء جلباب التقوى أسهل طريق لتهجير القاصرين واستغلالهم.
وما إن انتهت المهمة وحصل “عبد الحق” على مُبتغاه، حتى قرَّر أن صلاحية اشتراكه الإسلامي قد انتهت، ففي خطوة تعكس أقصى درجات “التسامح”، سعى لإعادة ابنته المغربية بالتبني إلى المسيحية، قاطعاً صِلتها بربها بعد أن قَطع صِلتها برحمها ووطنها، ضارباً عَرض الحائط بالقانون المغربي الذي يَفرض تنشِئة الأطفال المكفولين في بيئة إسلامية. وطبعاً، إذا تجرأت عائلة الطفلة على مُطالبته بالالتزام بالقانون، فسيَقوم بطلنا بارتداء قبعة “الصحفي المضطهد”، ليَصرخ في كل مَنابر أوروبا بأن المغرب يَستهدفه شخصياً لأنه يَصدح بـ”الحقيقة”.
عميل المخابرات الجزائرية.. وعُقدة “لو لم يَكتشفوا أمري”!
بعد كل هذه الجولات المكوكية بين التهرب الضريبي والتحايل الديني، نَصل أخيراً إلى تفسير اللغز العظيم: لماذا يَكره إغناسيو (أو عبد الحق، لا يهم) المغرب إلى هذا الحد؟ هل هو وازع مِهني دَفين؟ أم رغبة جامحة في نشر الديمقراطية؟
الحقيقة أبسط وأكثر كوميدية من ذلك بكثير، إنه مجرد حِقد أعمى لـ”مقاول جرائم” صغير، وجد نفسه مفضوحاً ومحاصراً بعد أن قامت المؤسسات الأمنية المغربية بفرملة مشاريعه غير المشروعة وإحباط مُخططاته.
لقد تحوَّل سمبريرو إلى حالة دراسية في “المغربوفوبيا”، وصار يُطلِق النار العشوائي على قِيادات ومؤسسات المملكة، ليس لأنه صحفي حُر، بل لأنه عميل للمخابرات الجزائرية برتبة “مبتز مُتقاعد”.
وهذا الاستهداف الإعلامي المتواصل ليس سوى صرخة يائسة وانتقام شخصي من الأجهزة التي وقفت سداً منيعاً أمام جَشعه، وكشفت أوراقه المتمثلة في الاحتيال والتلاعب بالدين، تماماً كشرير في أفلام الكرتون يصرخ: “كنت سأنجح في خطتي لولا هؤلاء المحققون المغاربة المزعجون!”.
في النهاية، يَحق لنا أن نَرفع القبعة للمؤسسات التي أسقَطت قناع “الصحافة الاستقصائية” عن وجهه. لقد كشفت للرأي العام أن قلم سمبريرو ليس أداة لنقل الخبر الموثوق، بل مجرد بندقية مأجورة لتصفية الحسابات. لقد انتهت اللعبة يا “عبد الحق”، وباتت مُمارساتك الغامضة مَفضوحة للعَلن، ولم يعد يَنقص مَسيرتك المهنية الحافلة سوى أن تَكتب مذكراتك تحت عنوان: “كيف تَفشل في الاحتيال.. وتُلقي باللوم على المغرب”.
