فيضانات القصر الكبير.. حالة استنفار قصوى تعيد الى الذاكرة تاريخ جار متمرد اسمه “اللوكوس”

بواسطة الإثنين 2 فبراير, 2026 - 17:00

يسابق المغرب الزمن منذ أيام، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بمدينة القصر الكبير، في ظل مجهودات استباقية مكثفة استدعت تدخلا عاجلا للقوات المسلحة الملكية بتعليمات سامية من جلالة الملك محمد السادس، لدعم السلطات المدنية في مواجهة وضع استثنائي فرضته فيضانات غير مسبوقة، حيث جرى تسخير إمكانيات لوجستية وبشرية ضخمة شملت وحدات الوقاية المدنية لتأمين عمليات الإخلاء والإيواء، مع إنشاء مخيمات وملاجئ مؤقتة للعائلات المتضررة، تحت إشراف لجنة وطنية لليقظة تتابع تنسيق الجهود من قلب الميدان لضمان سلامة المواطنين.

هذا الاستنفار الذي شد انظار المغاربة منذ بداية الأزمة، يعيد إلى الواجهة علاقة مدينة القصر الكبير بوادي اللوكوس، وهي علاقة جوار متقلبة، بل كانت دائما فاعلا أساسيا في صياغة تاريخ المدينة، اذ تؤكد الأرشيفات وكتابات المؤرخين أن القصر الكبير عاشت دوما تحت تهديد الفيضانات بسبب هشاشة موقعها الطبوغرافي، فهي مدينة لا تفاجئها المياه بقدر ما تعرفها جيدا، فقد عانت من تقلباتها منذ العصور القديمة.

**media[71703]**

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن إدارة المياه كانت تحديا رئيسا بالمنطقة منذ العهد الروماني، حيث كان المهندسون حينها يتجنبون الأراضي المنخفضة المحيطة بموقع المدينة الحالي ويختارون قمم المرتفعات لإنشاء الطرق، في محاولة مبكرة للتكيف مع تضاريس يسترد فيها الماء حقه في أي لحظة.

وبالعودة إلى السجلات التاريخية، يظهر أن التاريخ الهيدرولوجي للوكوس سجل سلسلة سوداء من الفيضانات الكبرى، حيث تم رصد ما لا يقل عن 24 فيضانا ضخما بين عامي 1500 1871، تجاوزت فيها تدفقات الوادي عتبة 1900 متر مكعب في الثانية، وهو التكرار الذي فرض على المدينة نمطا عمرانيا خاصا لحماية الأحياء التاريخية من تمرد الوادي.

وفي الذاكرة القريبة للمغاربة، تبرز سنة 1934 كمحطة أليمة حين ضربت أمطار طوفانية حوضي سبو واللوكوس، مخلفة دمارا كبيرا في قلب القصر الكبير، ثم جاءت سنة 1970 لتشكل منعطفا معاصرا بفيضان كارثي شل الشمال المغربي بأكمله وخلف خسائر اقتصادية وطنية جسيمة، تلتها فترات الستينيات والتسعينيات التي اجتاح فيها الوادي أحياء المدينة بشكل متكرر، لكن شهادات السكان تؤكد أن تلك الأزمات لم تبلغ قط خطورة ما تعيشه المدينة في الأيام الجارية.

**media[71705]**

ومع دخول الألفية الجديدة، وعلى الرغم من تشييد سد وادي المخازن، استمر اللوكوس في مباغتة الجميع، ففي عامي 2001 و2013 سجلت فيضانات استثنائية أثبتت أن البنيات التحتية تقلل المخاطر لكنها لا تلغيها، كما تسببت تساقطات عامي 2008 و2010 في عزل المدينة تماما وضرب نشاطها الاقتصادي، وصولا إلى دجنبر 2014 الذي فتح نقاشا حادا حول كفاءة قنوات الصرف الصحي وقدرة استيعاب البنية الحضرية.

**media[71707]**

اليوم، يفرض تاريخ 28 يناير 2026  نفسه كحدث مفصلي تجاوز كل التوقعات، فبعد تسجيل أكثر من 600 ملم من الأمطار منذ شتنبر الماضي، وصل سد وادي المخازن إلى نسبة ملء كاملة، مما اضطر السلطات لفتح بواباته لتخفيف الضغط، وهو ما أدى إلى فيضان تاريخي غمر أحياء الضحى، الزهراء ،الأندلس ،سيدي رضوان ،المرينة وسوق سبتة، حيث تجاوز منسوب المياه في بعض الأزقة مترا واحدا.

**media[71706]**

وتعزو تقارير وكالة حوض اللوكوس استمرار هذا الخطر إلى تداخل عوامل طبيعية وبشرية، أبرزها انجراف التربة الذي قلص سعة مجرى الوادي، والضغط العمراني في المناطق المنخفضة، بالإضافة إلى جفاف المناطق الرطبة التي كانت تعمل كإسفنجة طبيعية.

سينسحب اللوكوس في النهاية كما فعل عبر القرون، لكنه يترك خلفه درسا قاسيا للقائمين على تدبير الشأن المحلي، مفاده أن المدينة لم تعد تملك ترف الانتظار، وعليها الانتقال فورا من ثقافة محاولة النجاة إلى استراتيجية الاستباق الشامل لمواجهة نهر لا يزال يرفض الانصياع للبشر.

آخر الأخبار

أمن طنجة يوقف منفذي سرقة هاتف بالخطف خلال احتفالات فوز الأسود
تفاعلت ولاية أمن طنجة بجدية كبيرة، مع شريط فيديو منشور على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر قيام شخصين على متن دراجة نارية بسرقة هاتف بالخطف بالشارع العام بمدينة طنجة، وذلك بالتزامن مع الاحتفالات بفوز المنتخب المغربي في مباراة لكرة القدم. وقد أوضحت الأبحاث والتحريات المنجزة على ضوء هذا الشريط، أن الأمر يتعلق بقضية زجرية تعالجها […]
بعد نقاش ماراطوني.. مجلس النواب يصادق بالأغلبية على مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة
أسدل مجلس النواب، مساء الاثنين، الستار على أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للنقاش خلال الولاية التشريعية الحالية، بعدما صادق بالأغلبية على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، منهيا بذلك أشهرا من الجدل البرلماني والمهني الذي رافق مختلف مراحل مناقشة النص. وحظي المشروع بتأييد 85 نائبا برلمانيا، مقابل رفض 35 نائبا، ليجتاز بذلك محطة مجلس النواب، في […]
بـ”المسطرة المختصرة”.. البرلمان يسرع إخراج قانوني الإحصاء والتخطيط ويصادق عليهما بالإجماع
أنهى مجلس النواب، في جلسة عمومية عقدها اليوم الاثنين، المسار التشريعي لمشروعي القانونين المتعلقين بإصلاح المنظومة الإحصائية الوطنية وإعادة تنظيم المندوبية السامية للتخطيط، بعدما صادق عليهما بالإجماع وفق آلية “المصادقة المختصرة” المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس. وجاء اعتماد هذه المسطرة الاستثنائية بعد طلب تقدمت به الحكومة إلى رئاسة مجلس النواب، قصد التعجيل بالمصادقة على […]