في حب «الست»

بواسطة الأربعاء 3 ديسمبر, 2025 - 23:37

في سابقة لافتة في تاريخ السينما العربية، يغامر فيلم الست لمروان حامد بالدخول إلى منطقة ظل طالما تجنّبها صُنّاع السيرة الذاتية؛ منطقة نزع الهالة الأسطورية عن الرموز، وإعادة تقديمها كبشر لا كآلهة. فمنذ عقود، ظلّت السيرة الذاتية في السينما العربية تُعامل الشخصيات التاريخية والفنية بمنطق التقديس، محاطة بأسيجة الاحترام المبالغ فيه، وكأن الاقتراب من ضعفها خيانة أو مسّ بمقامها. يأتي الفيلم ليكسر هذا الإرث بصمت وجرأة معًا، ويعيد تشكيل العلاقة بين المتلقي والشخصية الأسطورية، فيقدم أم كلثوم امرأة قبل أن تكون ظاهرة.

ذكاء مروان حامد يكمن في قدرته على إثارة كل القضايا الخلافية في حياة أم كلثوم دون الوقوع في فخ التشهير أو التوغل الفجّ. لقد رأينا في الفيلم شخصية قيادية صلبة تعرف ما تريد، وامرأة واعية بقيمة المال وبما يمنحه من استقلال. رأينا أم كلثوم التي اختارت رجالها الثلاثة وفق رؤيتها ومصالحها، والتي أحكمت علاقتها بالإعلام وصاغت من خلاله إمبراطوريتها الرمزية. هذه ليست صورة مألوفة للجمهور، لكنها ليست أيضًا صورة مستفزة؛ إنها ببساطة صورة إنسانية، مخلّصة من طبقات المبالغات التي راكمها التاريخ الشفهي. وفي لحظات الضعف والسقوط الإنساني، تتجلى الشجاعة الفنية في تقديم سيرة ذاتية حقيقية، لا تتجاهل هشاشة بطلتها ولا تخجل منها، بل تجعلها منبع عمقها.

ولأن السينما المحترمة تبدأ بإنتاج محترم، يأتي فيلم الست ليكرّس منطقًا جديدًا في الصناعة العربية، إذ كشف منتجه أن التكلفة الإجمالية ناهزت ثمانية ملايين دولار، وهو رقم قد يبدو متواضعًا قياسًا بالإنتاجات الغربية لكنه يُعدّ ثوريًا في السياق العربي. هذا الاستثمار السخي لم يكن رفاهية، بل ضرورة مكنت الفيلم من استعادة مصر النصف الأول من القرن العشرين بديكورات نابضة بالحياة، تنقل روح المكان وزمنه بدقة بصرية محكمة، وتمنح السرد عمقه التاريخي وتفاصيله الجمالية التي لا تُختزل.

 تحدي إعادة أم كلثوم إلى الشاشة فكان مقامرة فنية كبرى. كوكب الشرق جسدت نفسها في أفلامها الغنائية، فيما كرّست صابرين صورتها في المخيلة العربية عبر المسلسل الشهير، ما جعل مهمة منى زكي محاطة بمقارنات مزدوجة. وبملامحها الرقيقة وبُعدها الفيزيولوجي عن أم كلثوم، بدا السؤال مشروعًا: كيف لممثلة «كيوت» أن تحمل ثقل هذا الهرم الإنساني وصوته؟ غير أن زكي تجاوزت هذا الحاجز بأداء مذهل، لم يسعَ إلى المحاكاة بل إلى التقاط الجوهر؛ فظهرت على الشاشة نسخة منى/أم كلثوم تنبض بروح «الست»، وتحمل توقيع أدائها الخاص في الوقت نفسه.

الست في النهاية فيلم مصري شديد الانتماء، يعبر فيه مروان حامد عن روح بلاده عبر أكبر رموزها، لكنه يفعل ذلك بلغة رمزية تلتقط أزمات الحاضر وتوتراته. سيناريو يزاوج بين التسلسل السردي المتنامي المعتمد على نقاط تحوّل صغيرة، وبين سرد دائري يشرح ما حدث وكيف حدث ولماذا، في بناء متماسك يمنح الفيلم نَفَسًا دراميًا رصينًا. وبكل عناصر قوته الجمالية والبنائية، يظهر الست كفيلم قادر على تمثيل مصر باحترام في أبرز المسابقات والمحافل الدولية، بل كعلامة فارقة في مسار تناول السير الذاتية العربية على الشاشة.

آخر الأخبار

كيف انتهى هشام جيراندو في منصات "الخونة" في الفضاء الرقمي؟
يعيش النصاب والهارب من العدالة هشام جيراندو، أسوأ أيامه في الفضاء الرقمي، بعدما تهاوت الأوهام التي بناها طوال سنوات حول نفسه كـ”صانع محتوى” مؤثر. فقد شكلت الضربات المتتالية التي تلقاها مؤخراً نقطة تحول جذرية في مساره الانحداري، فمن جهة، جاءت التسريبات المدوية لـ “أطلس هاكرز” (Atlas Hackers) لتعري حقيقة عملياته المشبوهة وتكشف المستور عن طرق […]
"جيل تمغربيت" تحذر من تداعيات العزوف عن التصويت
على بعد أيام من الاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، ومع ظهور بعض الدعوات المحرضة على عدم التصويت، دعت منظمة “جيل تمغربيت” المواطنين إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، مؤكدة أن الإصلاح السياسي لا يتحقق برفض الآليات الديمقراطية. وحذرت المنظمة من العزوف عن التصويت في ظل اختلالات المشهد الحزبي، ما يستدعي حسبها الانخراط في […]
خالد بوطيب يسدل الستار على مسيرته الكروية
أعلن الدولي المغربي السابق خالد بوطيب، اليوم السبت، اعتزاله لعب كرة القدم نهائيا ووضع حد لمسيرته الاحترافية، بعد رحلة حافلة بالمحطات والمشاركات البارزة رفقة الأندية والمنتخب الوطني. وجاء إعلان بوطيب (39 عاما) من خلال مقطع فيديو نشره على حسابه الرسمي في منصة “إنستغرام”، استعرض فيه أبرز لحظات مسيرته الكروية، معبرا عن فخره الكبير بالمسار الذي […]