رغم أشغال الترميم التي يشهدها قصر البديع، لم يفقد هذا الصرح التاريخي بريقه ولا قدرته على احتضان أكبر المواعيد الثقافية بالمغرب. فبين جدرانه العتيقة التي تختزن قرونا من التاريخ، عادت أنغام الفنون الشعبية لتملأ الفضاء بالحياة، معلنة انطلاق أولى سهرات الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، في مشهد امتزجت فيه أصالة المكان بعراقة الموروث الثقافي المغربي.
كانت السهرة الافتتاحية، التي احتضنها قصر البديع مساء الجمعة 3 يوليوز 2026، امتدادا للأجواء الاحتفالية التي انطلقت مساء الخميس بالموكب التقليدي “الكرنفال”، الذي جاب أبرز شوارع مدينة مراكش، معلنا انطلاق دورة جديدة من أعرق المهرجانات التراثية بالمملكة، والمنظمة هذه السنة تحت شعار (الفنون الشعبية.. كنوز الأمس واليوم).
وافتتح رئيس جمعية الأطلس الكبير ومدير المهرجان، محمد الكنيدري، السهرة بكلمة رحب فيها بالحضور، وفي مقدمتهم عدد من المسؤولين والشخصيات الدبلوماسية، من بينهم القنصل الفرنسي، إلى جانب ممثلي السلطات المحلية، كما نوه بالشركاء والداعمين من المؤسسات العمومية والخاصة، الذين يساهمون في استمرار هذا الموعد الثقافي الذي يشكل واجهة للتعريف بالتراث المغربي اللامادي.
ولم يطل انتظار الجمهور حتى انطلقت العروض الفنية التي استهلتها فرقة الركبة، مقدمة لوحات موسيقية واستعراضية جسدت طقوس الاحتفال الجماعي بكل ما تحمله من إيقاعات وحركات ورموز متجذرة في الثقافة المغربية، تلاها بعد ذلك العروض البهلوانية لفرقة (أولاد احماد وموسى) . وتوالت بعد ذلك فقرات السهرة بمشاركة فرق أحواش وأحيدوس وأقلال وعبيدات الرمى، إلى جانب فرق الركادة والعلاوي، التي ألهبت حماس الجمهور واستحقت تصفيقات متواصلة، في لوحة فنية عكست التنوع الثقافي الذي تزخر به مختلف جهات المملكة.
ولم يكن اختيار قصر البديع لاحتضان العروض الرسمية مجرد اختيار لفضاء تاريخي، بل رسالة تؤكد ارتباط التراث اللامادي بالموروث المعماري الذي تزخر به مدينة مراكش. وفي هذا السياق، أوضح محمد الكنيدري أن الدورة الحالية تتميز بعودة العروض إلى قصر البديع، إلى جانب احتضان مدرسة ابن يوسف لعدد من الفعاليات لأول مرة، في خطوة تروم تثمين المعالم التاريخية وإبراز مكانتها كفضاءات حية للإبداع والثقافة.
وتتواصل فعاليات هذه الدورة، الممتدة من 2 إلى 6 يوليوز 2026، بمشاركة ما بين 600 و700 فنان وفنانة يمثلون مختلف جهات المملكة، من خلال 35 فرقة تقدم عروضها بقصر البديع، إضافة إلى 25 فرقة أخرى تنشط بالساحات العمومية وفضاءات الجماعات الترابية، بما يتيح للجمهور الواسع فرصة معايشة الفنون الشعبية خارج القاعات المغلقة، ويجعل من المدينة مسرحا مفتوحا للاحتفاء بالهوية المغربية.
وتحمل هذه النسخة أيضا بعدا تكريميا، من خلال الاحتفاء بالفنانة السعبية “زينة الداودية” ضيفة شرف للمهرجان، لمسارها الفني وإسهاماتها في فن العيطة والتعريف به داخل المغرب وخارجه.
ومع كل دورة جديدة، يؤكد المهرجان الوطني للفنون الشعبية أنه ليس مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل مؤسسة ثقافية حافظت، منذ أكثر من نصف قرن، على رسالتها في حماية الذاكرة الجماعية للمغاربة، وإبراز ثراء الفنون الشعبية باعتبارها جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة اكتشاف كنوز التراث المغربي في أبهى صوره.
وفي قصر البديع، حيث تتجاور الحجارة العتيقة مع الإيقاعات الشعبية، بدا واضحا أن التاريخ لا يُروى فقط في الكتب، بل يُغنى ويُرقص ويُحتفى به، في مشهد يؤكد أن الفنون الشعبية ستظل إحدى أهم ركائز الهوية الثقافية المغربية وذاكرتها الحية.
