قال الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والأنظمة الصحية، إن اختيار نظام التوقيت ليس مجرد قرار إداري بحت، بل هو إجراء يؤثر بشكل مباشر في الصحة العامة والتنظيم الاجتماعي والاقتصاد والمدرسة والنقل والبيئة والعمل الفلاحي، وحتى السلامة الطرقية.
وأضاف أنه على الصعيد الدولي يمكن التمييز بين ثلاثة أنظمة توقيت رئيسية: التوقيت القانوني المستقر (المعروف عمومًا بالتوقيت الشتوي)، والتوقيت الصيفي الدائم، والتغيير الموسمي مرتين في السنة (شتاءً وصيفًا).
وذكر أنه من المنظور الصحي تتطابق المعطيات المتوفرة في علم الأحياء الزمني (الكرونوبيولوجيا) والصحة العامة حول فكرة مركزية: النظام الزمني الأكثر فائدة هو الذي يحترم الساعة البيولوجية للإنسان ويتيح التعرض الطبيعي لضوء الصباح بشكل أفضل.
وفي هذا الصدد، يبدو أن التوقيت الشتوي الدائم عمومًا هو الخيار الأكثر توافقًا مع الإيقاعات البيولوجية. ورغم أن التوقيت الصيفي الدائم يتميز بميزة تجنب التغير المفاجئ مرتين في السنة، إلا أنه يخلق فارقًا مستمرًا مع التوقيت الشمسي. أما التغيير الموسمي، فيُعتبر الأقل ملاءمة من الناحية الصحية، لأنه يفرض على الجسم تكيفًا مفاجئًا، لا سيما عند الانتقال إلى التوقيت الصيفي.
ومع ذلك، يشير إلى أن التوقيت الشتوي ليس مثالياً على كل الأصعدة؛ إذ يمكن أن يقلل من كمية الضوء المتاحة في نهاية اليوم، مما قد يحد من بعض الأنشطة الاجتماعية أو التجارية، كما قد يفاقم لدى المراهقين الذين يميلون إلى الاستيقاظ المتأخر ما يمكن تسميته بـ”اضطراب الساعة الاجتماعية” (social jetlag). لكنه يظل، من الناحية البيولوجية، الخيار الأكثر انسجامًا مع الإيقاع الطبيعي لجسم الإنسان.
كيف تتحكم الساعة البيولوجية في صحتنا؟
أوضح حمضي أن جسم الإنسان يملك ساعة بيولوجية داخلية، تمتد دورتها لحوالي 24 ساعة وبضع دقائق من الاختلاف (تتراوح بين 10 و30 دقيقة حسب الأفراد). وأضاف أنه في كل صباح عند الاستيقاظ يتيح التعرض للضوء الطبيعي للدماغ تصحيح هذا الفارق الصغير من خلال مزامنة وقت الساعة مع الوقت البيولوجي. وتسمح هذه الآلية بضبط النوم واليقظة ودرجة حرارة الجسم والشهية والتركيز والمزاج والإفرازات الهرمونية؛ مبرزًا أن هرمون “الميلاتونين”، الذي يُطلق عليه غالبًا هرمون النوم، حساس بشكل خاص للضوء؛ إذ يرتفع مستواه في المساء مع حلول الظلام وينخفض في الصباح مع ظهور الضوء.
الأطفال والمراهقون والبالغون: الفاتورة الصحية للتوقيت غير المتوازن
أكد الخبير الصحي أن غياب الانسجام بين التوقيت الرسمي والتوقيت الشمسي يمكن أن يؤدي إلى ظهور العديد من الآثار الصحية، منها: صعوبة الاستيقاظ، تأخر النوم، تقلص مدة النوم، التعب الصباحي، سرعة الانفعال، ضعف التركيز وتراجع اليقظة.
وأبرز أن التأثيرات تظهر بوضوح خاصة لدى الأطفال والمراهقين، إذ يميل إيقاعهم البيولوجي طبيعيًا نحو النوم المتأخر. وعندما تبدأ المدرسة مبكرًا ويكون الاستيقاظ في الظلام، قد يتفاقم déficit النوم، مما يؤدي إلى عواقب محتملة على التحصيل الدراسي والانصات والسلوك داخل الفصل.
الأبعاد المتعددة لاختيار النظام الزمني
ذكر حمضي أن تأثير الساعة يشمل أيضًا العمال الصباحيين والموظفين والسائقين والفلاحين ومستخدمي وسائل النقل العمومي. فبدء اليوم في الظلام يمكن أن يقلل من مستوى اليقظة ويزيد من المخاطر المرتبطة بالتنقل أو القيادة أو العمل اليدوي.
وأكد أن العديد من الدراسات الدولية أشارت إلى ارتفاع خطر الإصابة بنوبات احتشاء عضلة القلب (الجلطة القلبية)، والسكتات الدماغية، وحوادث السير، وحوادث الشغل بعد الانتقال المفاجئ إلى التوقيت الصيفي.
وقال إن هذه الأحداث لا تُعزى إلى التوقيت بمفرده، لكن تغيير الساعة يمكن أن يعمل كعامل محفز أو مفاقم للأعراض لدى الأشخاص الهشّين أو المتعبين أو الذين يعانون أصلًا من نقص في النوم.
لماذا لم تعد الحجج الاقتصادية للتوقيت الصيفي صلبة؟
أوضح حمضي أن التوقيت الصيفي لا يفتقر إلى حجج؛ فهو ينقل ساعة من الضوء إلى نهاية اليوم، مما قد يشجع بعض الأنشطة الاجتماعية والتجارية والرياضية والسياحية، لا سيما في المناطق الحضرية. ويمكن للمقاهي والمطاعم والمتاجر والأنشطة الترفيهية في الهواء الطلق والتنقلات بعد العمل أن تستفيد من ذلك.
ومع ذلك، فإن الحجة الطاقية التي كانت تاريخيًا الركيزة الأساسية للدفاع عن التوقيت الصيفي أصبحت اليوم أقل متانة. فقد تغيرت أنماط الاستهلاك بشكل عميق؛ إذ باتت الإضاءة تستهلك أقل بفضل المصابيح منخفضة الاستهلاك ومصابيح LED، في حين تلعب المكيفات والتدفئة والأجهزة الإلكترونية والنقل ومواعيد العمل دورًا أكبر في استهلاك الطاقة.
وبناءً على ذلك، وحسب حمضي، فإن الفوائد الاقتصادية للتوقيت الصيفي ليست تلقائية ولا عالمية؛ بل تعتمد على المناخ والبنية الاقتصادية وعادات التنقل ومواقيت المدارس والعمل، وكذا نمط عيش السكان.
عندما تصطدم الرغبة في التغيير بإكراهات اختلاف الاختيارات والتنسيق والجغرافيا
ذكر حمضي قرارات أوروبا منذ عام 2019 بشأن إلغاء تغيير التوقيت مرتين في السنة، غير أن هذا القرار لم يُطبّق حتى الآن؛ إذ تفضل بعض الدول الإبقاء على التوقيت الصيفي الدائم، بينما تميل دول أخرى نحو التوقيت الشتوي الدائم، وتتخوف دول ثالثة من مشاكل التنسيق بين البلدان المجاورة. وحتى داخل البلد الواحد تتباين آراء المواطنين.
واعتبر أن هذا يوضح أن مسألة التوقيت لا تقتصر على الصحة فحسب، بل تمس أيضًا الجغرافيا والاقتصاد والنقل الدولي والعادات والخيارات الاجتماعية والوطنية.
المعادلة المغربية: لماذا يشكل التوقيت الشتوي الخيار الأكثر انسجامًا مع واقعنا الوطني؟
دعا الخبير في السياسات الصحية إلى تحليل مسألة التوقيت على ضوء الحقائق الوطنية، مبرزًا أن البلاد تضم قاعدة ديموغرافية مدرسية مهمة؛ فالأطفال والمراهقون، الذين يشكلون شريحة كبيرة من الهرم الديموغرافي، معرضون بشكل مباشر لعواقب الاستيقاظ المبكر، خاصة عندما تكون التنقلات نحو المدارس قبل شروق الشمس.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من النشاط الوطني يظل مرتبطًا بالفلاحة والعمل اليدوي والتنقلات الصباحية والمواقيت الإدارية والنقل العمومي. وفي هذه السياقات يشكل توافر الضوء الطبيعي في الصباح عامل راحة وسلامة وفعالية، كما تؤثر السلامة الطرقية وأمن التنقلات بشكل كبير على القرار؛ إذ يكون التلاميذ والعمال ومستخدمو وسائل النقل الجماعي أكثر عرضة للمخاطر عندما تكون الرحلات الصباحية في الظلام.
وأضاف أن التوقيت الشتوي بالنسبة للمغرب هو الخيار الأكثر انسجامًا مع المتطلبات الصحية والمدرسية والاجتماعية والفلاحية والبيولوجية للبلاد، ومن شأنه أن يقلل من الاستيقاظ في الظلام ويقرب التوقيت الرسمي من الإيقاع الطبيعي للشمس ويحسن جودة النوم ويحد من الآثار السلبية على اليقظة وجوانب الحياة اليومية، مع إمكانية التخفيف من الأثر المحتمل على التجارة الدولية عبر تدابير ملائمة ومواكبة.
