تداولت بعض وسائل الإعلام الإسبانية مؤخراً مقطع فيديو يُظهر عائلة مغربية من الذين وصلوا إلى مدينة سبتة المحتلة، مرفقاً بسردية إعلامية تدعي أن هؤلاء الأشخاص قد فروا من قسوة “الفقر والمجاعة” بالمغرب.
وللوهلة الأولى، قد يبدو التقرير وكأنه تغطية إنسانية لأزمة الهجرة، لكن القراءة المتأنية لما بين السطور وما خلف الكاميرا، تكشف بوضوح عن حملة تضليل مدبرة بعناية وممنهجة، تقودها جهات إسبانية عبر صحافة معادية بشكل صريح، هدفها الأوحد هو تشويه صورة المملكة المغربية.
إن هذا الفيديو ليس مجرد تغطية بريئة، بل هو عينة من استراتيجية إعلامية خبيثة تعتمد على الانتقاء الموجه والمدروس للمهاجرين، والتركيز المتعمد على مصطلحات رنانة ومبالغ فيها مثل “المجاعة”، لتصويرها زيفاً على أنها الدافع الرئيسي للهجرة. إنها محاولة يائسة لاستهداف مكانة المغرب وإظهاره كدولة تعيش أزمات إنسانية من عصور غابرة.
ودعونا نحتكم قليلا إلى المنطق والصورة التي عرضتها الصحافة الإسبانية نفسها، إن مصطلح “المجاعة” يحمل دلالات علمية وإنسانية واضحة، ترتبط بحالات متقدمة من سوء التغذية الحاد، الهزال، وتدهور الوظائف الحيوية للجسم. ومع ذلك، وبمجرد النظر إلى الحالة البدنية والصحية للأشخاص الذين أُجريت معهم المقابلات في هذه المواد الإعلامية، يتبين بوضوح أنهم لا يحملون، ولو في حدها الأدنى، أياً من العلامات الفسيولوجية المميزة للأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية أو المجاعة.
إن المظهر الجسدي للمهاجرين يفضح الكذبة الإسبانية؛ فالمغرب، الذي يعتبر سلة غذائية مهمة في محيطه الإقليمي والقاري، بعيد كل البعد عن أن يُربط بمصطلح “المجاعة” الذي تحاول هذه الأبواق الإعلامية إلصاقه به. إن محاولة تسويق هذا الوهم هي إهانة لذكاء المتلقي قبل أن تكون إساءة للمغرب.
وفي المقابل، فإن لا أحد ينكر وجود الفقر أو التفاوتات الاجتماعية في المغرب، فهذه التحديات السوسيو-اقتصادية هي واقع تعيشه جميع دول العالم، المتقدمة منها والنامية. بل إن إسبانيا ذاتها، التي تُصدّر لنا هذه الدروس الأخلاقية، تعاني من جيوب فقر مدقع، وتهميش اجتماعي، وأزمات بطالة طاحنة تضرب فئات واسعة من مجتمعها.
لكن الفارق يكمن في النوايا، فبينما يتعامل المغرب مع قضاياه التنموية بواقعية ومسؤولية من خلال أوراش ومشاريع وطنية كبرى، تتعمد الصحافة الإسبانية المعادية الخلط الخبيث بين “تحديات التنمية” و”المجاعة”، لتحويل مسألة اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود إلى سلاح سياسي يُشهر في وجه الرباط.
إن توظيف مآسي الهجرة واللعب على وتر العواطف عبر فبركة ادعاءات “الجوع” يعكس أزمة أخلاقية لدى جزء من الصحافة الإسبانية، التي تفضل لعب دور الأداة السياسية بدلاً من الالتزام بميثاق الشرف الصحفي، ثم إن استغلال شباب باحثين عن أفق اقتصادي أفضل – وهي رغبة إنسانية طبيعية – وتلقينهم أو تأطير تصريحاتهم لتلائم أجندة عدائية ضد وطنهم الأم، يمثل انحطاطاً في الممارسة الإعلامية.
في الختام، يجب على الإعلام الأوروبي عموما والإسباني على وجه التحديد أن يفهم أن المملكة المغربية أكبر من أن تنال منها مقاطع فيديو مجتزأة أو تقارير موجهة من مطابخ صحفية معادية، وعلى من يحاولون الاصطياد في الماء العكر أن يدركوا أن الهجرة ظاهرة إنسانية معقدة تتطلب تعاوناً ومقاربة شمولية، وليست مسرحاً لتصفية الحسابات السياسية عبر نسج أكاذيب واهية تفندها الصورة قبل الكلمة.
