بقلم الشييخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لم تعد التفاهة في عصر المنصات الرقمية مجرد ظاهرة عابرة أو مادة للترفيه وتمضية الوقت، بل تحولت إلى إشكالية ثقافية ومعرفية أخذت تؤثر في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، بعدما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحًا لإنتاج الأفكار وتداولها، دون أن تكون الشهرة أو كثرة المتابعين مرتبطة بالضرورة بالكفاءة العلمية أو العمق المعرفي. وقد أفرز هذا الواقع انقلابًا واضحًا في معايير الحضور والتأثير؛ فأصبح صاحب المحتوى الأكثر إثارة وقدرة على استقطاب الانتباه أقدر أحيانًا على الانتشار من الباحث المتخصص، وأصبح عدد المشاهدات والإعجابات معيارًا ضمنيًا للنجاح، حتى وإن كان المحتوى فقيرًا أو سطحيًا أو مثيرًا للجدل بلا قيمة معرفية حقيقية.
الغرابة والندرة
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تنتقل من مجالات الترفيه والحياة اليومية إلى المجال الديني، لأن الدين ليس مادة عابرة للاستهلاك الرقمي، وإنما منظومة معرفية وقيمية تحتاج إلى التأصيل والفهم والسياق والقدرة على التمييز بين ما هو قطعي وما هو ظني، وبين ما هو أصل وما هو فرع، وبين الرأي الفقهي المعتمد والمسائل النادرة التي تناولها بعض الفقهاء في سياقات علمية وتاريخية مخصوصة. غير أن بعض صناع المحتوى الديني أخذوا يحولون بعض المسائل الغريبة والنادرة إلى عناوين رئيسية لاستقطاب الجمهور، فيقدمون قضايا شاذة أو مثيرة، من قبيل الحديث عن زواج الجن بالإنسان، أو مسائل نادرة في أبواب الفقه، وكأنها تمثل جوهر الدين أو أهم ما ينبغي للمسلم أن ينشغل به.
والمشكلة هنا ليست في مجرد ذكر مسألة فقهية نادرة أو مناقشة قول غير مشهور؛ فالفقه الإسلامي عرف تعددًا واسعًا في الاجتهادات، وناقش العلماء مسائل دقيقة ومعقدة، بل إن بعض الكتب الفقهية تعرضت أحيانًا لصور افتراضية بالغة الندرة من أجل استكمال التصنيف الفقهي. وإنما تكمن المشكلة في إخراج هذه القضايا من سياقها العلمي، وتحويلها إلى مادة مثيرة للاستهلاك الجماهيري، مع اختزالها في عناوين صادمة وعبارات مستفزة، لأن الغاية تصبح في هذه الحالة تحقيق أكبر قدر من المشاهدة والتفاعل بدل بناء المعرفة الدينية الرصينة.
وتظهر الصورة ذاتها بصورة أكثر خطورة في بعض المحتويات المتعلقة بالرقية الشرعية. فالرقية الشرعية في أصلها باب مشروع إذا التزمت بالضوابط الشرعية، غير أن بعض الممارسات التي تقدم عبر المنصات الرقمية اليوم تجاوزت مفهوم الرقية إلى عالم من الخرافة والأساطير والتفسيرات الغيبية غير المنضبطة. فيُقدَّم للمشاهد المسلم أحيانًا خليط من القصص الغريبة، والتخمينات، والتشخيصات الوهمية، وربط الأعراض العادية بأسباب غيبية دون دليل شرعي أو علمي، وكل ذلك في قالب ديني يوحي للمشاهد بأن ما يسمعه يمثل حقيقة شرعية ثابتة، بينما هو في كثير من الحالات مجرد اجتهاد شخصي أو معتقد شعبي أو ممارسة لا سند لها .
طريق الشهرة
وتزداد المشكلة عندما تتحول مثل هذه المواد إلى وسيلة لاستثمار خوف الناس وحاجتهم النفسية والدينية. فالمتلقي الذي يعاني من مشكلة أسرية أو نفسية أو اجتماعية قد يكون شديد القابلية للتأثر بمحتوى يفسر له معاناته تفسيرًا غيبيًا مباشرًا، فيصبح الخوف مدخلًا إلى المشاهدة، والمشاهدة طريقًا إلى الشهرة، والشهرة مصدرًا للعائد المالي. وهنا ينبغي أن يكون السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة: هل يجوز أن تتحول معاناة الناس وقلقهم وحاجتهم إلى الدين إلى مادة تجارية لرفع المشاهدات وتحقيق الأرباح؟
ولا يختلف الأمر كثيرًا حين تُستخرج من كتب الفقه مسائل افتراضية شديدة الغرابة، ثم تقدم للجمهور على أنها من أهم الأسئلة الدينية التي تستحق النقاش. ومن ذلك تداول بعض الفتاوى المتعلقة بصور نادرة جدًا من الأفعال الجنسية مع الحيوانات، والسؤال عن العقوبة أو الحد الشرعي في مثل هذه الوقائع، بطريقة تجعل القضية مادة للصدمة والضحك والجدل، بدل وضعها في إطارها التاريخي والفقهي الصحيح. إن وجود مثل هذه المسائل في بعض المدونات الفقهية لا يعني أنها موضوعات صالحة للاستهلاك اليومي أو أنها تمثل جوهر الفقه الإسلامي، كما أن نقلها بلا سياق قد يوهم غير المتخصص بأن الفقه الإسلامي قائم على هذه الجزئيات الغريبة، وهو ظلم للفقه وللعقل المسلم في آن واحد.
وفي الطرف الآخر من المشهد الرقمي، نجد نمطًا آخر من صناعة التفاهة، يتمثل في بعض الخطابات السياسية والإعلامية التي تجعل السب والشتم والقذف والتشهير وسيلة دائمة لجذب الجمهور. وقد نجد بعض المعارضين المقيمين خارج بلدانهم يكررون طوال اليوم خطابًا يقوم على شتم الحكام وتحقير الخصوم والطعن في الأشخاص، بل وقد ينزلق بعضهم إلى اتهامات تمس الأعراض وكرامة الأبرياء، وكأن الخصومة السياسية تمنح صاحبها رخصة أخلاقية لانتهاك حرمة الناس. وهنا يتحول الغضب السياسي إلى سلعة رقمية، ويصبح كلما كان الخطاب أكثر حدة وإثارة وقابلية للاشتباك، كان أكثر قدرة على جلب التعليقات والإعجابات والمشاهدات.
أزمة صناعة الوعي
وهذا لا يعني تبرير أخطاء الحكومات أو مصادرة حق الناس في النقد والمعارضة؛ فالنقد السياسي المشروع جزء من الحياة العامة، وحرية التعبير قيمة أساسية. لكن النقد شيء، وتحويل الشتيمة والقذف والتشهير إلى صناعة يومية للمتابعين شيء آخر. فالاختلاف السياسي لا يسقط حرمة الأعراض، ولا يحول الكذب إلى حقيقة، ولا يجعل الإثارة بديلًا عن الحجة.
إن القاسم المشترك بين هذه الأنماط المختلفة هو تحويل الإنسان إلى مستهلك للانفعال، وتحويل المنصة إلى سوق للانتباه، وتحويل التفاعل الجماهيري إلى قيمة مالية. وفي هذه المعادلة يصبح صاحب المحتوى مدفوعًا إلى البحث باستمرار عن الموضوع الأكثر غرابة، والعبارة الأكثر استفزازًا، والقضية الأكثر قدرة على إشعال الجدل، لأن الخوارزمية تكافئ التفاعل، والتفاعل يمكن أن يتحول إلى دخل. وهكذا يصبح الجمهور، دون وعي منه، شريكًا في إنتاج المحتوى الذي يشتكي منه.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمنع النقاش أو محاربة وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بإعادة الاعتبار إلى قيمة المعرفة والمسؤولية الأخلاقية. فالعالم والداعية والراقي والمثقف والمعارض السياسي، جميعهم مسؤولون عن الكلمة التي يقدمونها للجمهور، وعن الأثر الذي تتركه في وعي الناس. كما أن الجمهور نفسه يحتاج إلى وعي رقمي يجعله قادرًا على التمييز بين العلم والاستعراض، وبين الفتوى والتسويق، وبين الرقية الشرعية والخرافة، وبين النقد السياسي المشروع والقذف والتشهير.
فليست المشكلة أن يكون المحتوى جذابًا، وإنما أن يصبح الجذب غاية بذاته، وأن تقاس قيمة الحقيقة بعدد المشاهدات. وحين يصبح الغريب أهم من المفيد، والمثير أهم من العميق، والشتيمة أسرع انتشارًا من الحجة، فإننا لا نكون أمام تفاهة عابرة، وإنما أمام أزمة حقيقية في صناعة الوعي. ولذلك فإن مسؤولية النخب العلمية والدينية والثقافية والإعلامية اليوم هي استعادة المنصات الرقمية لصالح المعرفة الرصينة، وتقديم خطاب قادر على المنافسة في فضاء السرعة دون أن يتنازل عن العقل، ولا عن الأخلاق، ولا عن حرمة الدين والإنسان.
