دبج حسين مجدوبي (أبو ندى) تدوينة حاقدة على حسابه في موقع “فيسبوك”، حاول من خلالها تسويق قراءة مشوهة ومغلوطة حول طبيعة العلاقات الأمنية التي تجمع بين المملكة المغربية ونظيرتها الإسبانية، وذلك على خلفية تطورات الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة.
والمتأمل للوهلة الأولى، في مبنى ومعنى هذه التدوينة، سرعان ما يكتشف أنها تعج بالتناقضات الصارخة وشخصنة التحليل السمج، مستندة إلى معطيات مجانبة للصواب، بل وتتعمد ليّ عنق الحقائق لتطويعها خدمة لطرح يائس يحاول النيل من نجاعة “الدبلوماسية الأمنية” المغربية.
فمن خلال تحليل دقيق وبراغماتي لمضامين هذه التدوينة، يتبين أن الاستنتاجات التي خلص إليها صاحب اللقب الحركي “ألبرت” لا تعدو كونها قراءة سطحية تفتقر إلى أبسط مقومات التحليل الاستراتيجي والموضوعي. ولتسليط الضوء على مكامن الضعف والقصور في هذا الطرح، لا بد من تفكيك ادعاءات مجدوبي ومواجهتها بحقائق الميدان والمؤسسات.
وهم “العلاقات الشخصية الهشة” وتجاهل الإطار المؤسساتي التعاقدي
من أبرز المغالطات التي ساقها مجدوبي في تدوينته، ادعاؤه بأن التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا مبني على “علاقات شخصية هشة”، في طرح لا يعكس فقط جهلاً مدقعاً بطبيعة عمل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الحديثة، بل يمثل تبخيساً لجهود مؤسسات سيادية كبرى.
فالعلاقات الأمنية بين الرباط ومدريد لا تُبنى في الصالونات أو عبر العلاقات الشخصية، بل هي مؤسسة على إطار تعاقدي ومؤسساتي متين. والدليل القاطع على ذلك هو مذكرات التفاهم والبروتوكولات الرسمية المبرمة بين قطب المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني من جهة، وكل من الحرس المدني والشرطة الوطنية الإسبانية من جهة ثانية. هذه الاتفاقيات تحدد بدقة مجالات التعاون، وآليات تبادل المعلومات، وتنسيق الجهود، مما يجعلها علاقة دولة بدولة، ومؤسسة بمؤسسة، بعيدة كل البعد عن المزاجية أو الارتباط بالأشخاص كما يحاول أبو ندى تصويره للرأي العام.
فلا يمكن لعاقل أن يتصور أن العلاقات الأمنية الثنائية، المرتكزة على قنوات اتصال متعددة المستويات وآليات دقيقة للتنسيق وتبادل المعطيات الأمنية العالية الحساسية، يمكن أن تبنى وترتكز فقط على علاقات شخصية عابرة بزوال الأشخاص، بل هي في الواقع علاقات مؤسساتية مبنية على نصوص وبروتوكولات قانونية وتنظيمية دقيقة تحكمها من الطرفين النصوص التشريعية والتنظيمية التي تقنن مجالات التعاون الدولي والاتفاقيات الملزمة للدول.
ويكفي أن يعلم مجدوبي، شريك هشام جيراندو في الإجرام الرقمي، بأن التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا يمر عبر قنوات مؤسساتية دقيقة، من بينها شبكة ضباط الاتصال المعتمدين في كلا البلدين، ومراكز التعاون المشترك في كل من ميناء طنجة المتوسط والجزيرة الخضراء، ومن خلال العمليات الأمنية المشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وعمليات التسليم المراقب للمخدرات، علاوة على التعاون المشترك عبر قنوات المنظمة الدولية للشرطة الجنائية أنتربول.
لغة الأرقام.. تفضح إنكار مجدوبي لنجاعة التعاون الأمني
يتساءل مجدوبي في تدوينته باستنكار وتشكيك عن جدوى هذا التعاون الأمني، متجاهلاً أن هذا التنسيق المؤسساتي المحكم قد جنّب البلدين، بل وأوروبا بأسرها، حمامات دم ومخاطر إرهابية وشيكة وخطيرة، حيث إن لغة الأرقام، التي لا تقبل التأويل، ترد بقوة على هذه الادعاءات.
فمنذ عام 2014، تُوج التعاون الأمني المشترك بين المغرب وإسبانيا بتنفيذ ما يناهز 41 عملية أمنية مشتركة لمكافحة الإرهاب. وقد أسفرت هذه العمليات الاستباقية والنوعية عن توقيف 174 متطرفاً، من بينهم 112 تم توقيفهم فوق التراب الإسباني. هذه المؤشرات الرقمية الدقيقة تؤكد أن الشراكة الأمنية المغربية الإسبانية هي صمام أمان حقيقي، وليست مجرد “لقاءات وصور وأوسمة” كما يدعي أبو ندى مجدوبي بخفة غير مبررة.
كذبة “الاتهامات الإسبانية الرسمية” والتدليس في قراءة التقارير
يبلغ التناقض والتضليل مداه عندما يزعم مجدوبي أن أجهزة الأمن والاستخبارات الإسبانية تعمل على توريط المغرب في أحداث سبتة، وتتبنى خطاً متشدداً وصل إلى حد اتهامه بشن “حرب هجينة”! والحقيقة الساطعة التي يتجاهلها الكاتب عمداً هي أنه لا الشرطة الوطنية، ولا الحرس المدني، ولا المركز الوطني للاستخبارات (CNI) قد اتهمت المغرب صراحة أو رسمياً بالتورط في أحداث سبتة.
إن مجدوبي يكذب جهاراً عندما يقول بأن تقارير الشرطة الإسبانية تتهم المغرب، فالتصريحات الرسمية لمسؤولي البلد الجار تفند ذلك جملة وتفصيلاً. ويكفي هنا استحضار التصريحات الواضحة والصريحة لكل من السيد “فرانسيسكو باردو بيكيريس” (Francisco Pardo Piqueras)، المدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية، وكذلك وزير الداخلية الإسباني، اللذين نفيا بشكل قاطع ضلوع المملكة المغربية أو مؤسساتها في أي استهداف لمدينة سبتة أو التخطيط لاقتحامها، حيث إن هذه التصريحات الرسمية من أعلى هرم المسؤولية الأمنية والسياسية في إسبانيا تنسف من الأساس الرواية الدرامية التي حاول مجدوبي حبكها.
التوظيف المغرض لتقرير “مكتب الهجرة” وتجاهل غياب الأدلة
ولإضفاء طابع مصطنع من المصداقية على تدوينته، استند مجدوبي إلى التقارير المرفوعة للقضاء الإسباني (تحديداً لقاضية المحكمة الوطنية). وهنا يجب التوضيح ووضع الأمور في نصابها: إن تقارير الأجهزة السيادية كالأمن القومي والحرس المدني لم تتضمن أي اتهام للمغرب. والاستثناء الوحيد الذي تم تضخيمه إعلامياً، والذي يتشبث به الكاتب كغريق، هو تقرير صادر عن “المكتب الوطني للهجرة والحدود” التابع للشرطة.
وهذا التقرير، وحتى في أقصى تأويلاته، تحدث عن “مزاعم” لضلوع بعض العناصر الأمنية في الميدان في غض الطرف عن المهاجرين، ولكنه أكد صراحة عدم وجود أي دليل مادي يربط هذه المزاعم بسلسلة القيادة الأمنية العليا في المغرب، وأنه لا يستطيع إثبات أي توجيه رسمي من الدولة المغربية.
إن تحويل تخمينات مكتب معني بالهجرة، عجز عن إثبات أي صلة للقيادة المغربية بالأحداث، إلى “موقف رسمي للأجهزة الاستخباراتية والأمنية الإسبانية” هو تدليس تحليلي وقفز على الحقائق. لقد حاول مجدوبي أن يصنع من حبة خردل قبة، ليوهم القارئ بأن هناك شرخاً بين المؤسستين الأمنيتين في البلدين، في حين أن التواصل والتنسيق لا يزالان مستمرين على أعلى المستويات.
إن تدوينة حسين مجدوبي لا تعدو كونها محاولة بائسة لتبخيس المكتسبات التي حققها المغرب على صعيد الدبلوماسية الأمنية، والتي باتت تشكل نموذجاً يُحتذى به إقليمياً ودولياً، حيث بنى المعني بالأمر أطروحته الحاقدة على فرضيات وهمية (العلاقات الشخصية)، وتجاهل حقائق ميدانية راسخة (مذكرات التفاهم والعمليات المشتركة التي أنقذت مئات الأرواح)، واختلق صراعاً غير موجود بين الأجهزة الإسبانية والمغربية بتأويله الخاطئ لتقرير لم يرق يوماً ليكون اتهاماً رسمياً.
إن المغرب يدير أزماته وشراكاته بمنطق الدولة، وببوصلة المؤسسات القوية التي تفرض احترامها على الشركاء قبل الخصوم. وما محاولات البعض التشويش على هذه الانتصارات من خلال كتابات تفتقر للدقة والمهنية، إلا زوبعة في فنجان لن تنال من رصيد الثقة والمصداقية الذي تحظى به المؤسسة الأمنية المغربية في الأوساط الدولية.
