نجح حزب الأصالة والمعاصرة، أخيرا، وبعد 18 سنة من تأسيسه، في تصدر المشهد الانتخابي الوطني، ما سيمكنه من رئاسة الحكومة، وهو ما يمثل محطة مفصلية في مسار الحزب السياسي، الذي انبثق سنة 2008 عن حركة “لكل الديمقراطيين”.
غير أن هذا الإنجاز الانتخابي الباهر “للبام”، الذي فشل فيه طيلة هذه السنوات، بل ظل بعيدا، قبل الولاية الحكومية السابقة، حتى عن المشاركة في الأغلبيات الحكومية، محفوف بتحديات هيكلية وموضوعية تجعل تشكيل الأغلبية وتدبير المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرته على الانتقال من موقع المعارضة والتدبير المشترك إلى موقع القيادة الفعلية للجهاز التنفيذي.
أول هذه التحديات، الذي سيلي مباشرة التعيين الملكي لرئيس الحكومة، هو البحث عن الأغلبية الحكومية، فكما هو معروف، النظام الانتخابي المغربي القائم على التمثيلية النسبية يمنع بطبيعته إفراز أغلبيات مطلقة مريحة لحزب واحد، وهو ما يفرض على حزب الأصالة والمعاصرة الانخراط في مشاورات عسيرة ومعقدة لبناء تحالف منسجم، وهنا يبرز مأزق الاختيار بين الحلفاء التقليدييين أو البحث عن بدائل جديدة، حيث يبقى السؤال عالقا حول إمكانية طي صفحة الخلافات السابقة، والعميقة، مع التجمع الوطني للأحرار أو الذهاب نحو سيناريوهات غير تقليدية تثير الكثير من الجدل السياسي، من قبيل التفكير في استحضار تحالفات محتملة مع الخصم التاريخي العدالة والتنمية بهدف إعادة ترتيب موازين القوى، وإقصاء الخصوم وهي فرضيات تعكس الضبابية التي تطبع الخريطة السياسيةالمقبلة.
التحالفات الممكنة
إن تفصيل التحالفات الممكنة أمام حزب الأصالة والمعاصرة لتشكيل الأغلبية الحكومية يضع “البام” أمام عدة سيناريوهات سياسية واستراتيجية، تحكمها طبيعة الخريطة الانتخابية والمصالح الحزبية وإكراهات المرحلة.
من بين هذه الخيارات، هناك سيناريو تجديد التحالف مع التجمع الوطني للأحرار. هذا الخيار يستحضر تجربة الأغلبية الحكومية السابقة، حيث تشكل تقارب عملي بين الحزبين، وهو ما يمكن أن يسهل المفاوضات نظرا لوجود تراكم في التدبير المشترك، غير أن هذا السيناريو يصطدم بوجود منافسة شرسة جرت بينهما خلال الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما قد يترك رواسب سياسية تتطلب تنازلات متبادلة لإعادة بناء الثقة وضمان توازن المصالح داخل الحكومة المقبلة.
سيناريو البحث عن حلفاء تقليديين جدد. يتجه هذا الطرح نحو الانفتاح على أحزاب أخرى تقليدية.شكلت عبر محطات سياسية سابقة شركاء محتملين للأحزاب الكبرى مثل الاستقلال أو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أو أحزاب أخرى تمثل الكتلة البرلمانية المعتادة وهذا السيناريو يمنح الأغلبية طابع الاستقرار المؤسساتي والانسجام الإيديولوجي النسبي بالرغم من صعوبة توزيع الحقائب الوزارية، الكفيلة بإرضاء جميع الشركاء.
سيناريو التحالفات غير التقليدية أو فرضية التقارب مع الخصوم يطرح في كواليس النقاش السياسي،بما يمكن أن يشكل فرضيات جريئة ومثيرة للجدل،من قبيل التفكير في استحضار توازنات غير مألوفة كإمكانية التقارب مع حزب العدالة والتنمية، خصم الأمس، بهدف قطع الطريق على خصم اليوم وإعادة خلط الأوراق، غير أن هذا الخيار يظل شبه مستبعد أو محفوفا بمخاطر إيديولوجية وتنظيمية جسيمة نظرا لحجم التباينات الكبيرة في المرجعيات والخطابات السياسية بين الحزبين.
سيناريو الأغلبية الموسعة والمتعددة المكونات السياسية، نظرا لكون النظام الانتخابي القائم على التمثيلية النسبية لا يفرز أغلبيات مريحة لحزب واحد،فإن “البام” قد يجد نفسه مضطرا لتشكيل ائتلاف حكومي موسع يضم أحزابا متعددة لضمان تمرير القوانين والتشريعات بأريحية داخل البرلمان، وهو سيناريو يضمن الاستقرار العددي لكنه يحمل في المقابل مخاطر الهشاشة الحكومية وصعوبة التنسيق وتدبير التناقضات بين الحلفاء.
إكراهات سياسية وتحديات
إكراهات الزمن السياسي، وهندسة الحكومة، المطروحة أمام الأصالة والمعاصرة، إلى جانب تعقيدات التحالفات، متعلقة بالوقت، إذ يشكل ضيق الوقت عاملا ضاغطا يحد من هامش المناورة لدى الحزب المنتصر، فعملية هندسة الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية واختيار الكفاءات القادرة على تنزيل الورش التنموي تتطلب وقتا وجهدا كبيرينلضمان التجانس الحكومي وتفادي أي “بلوكاج”مؤسساتي، قد يؤخر انطلاق عمل السلطة التنفيذية في وقت ينتظر الشارع والفرقاء الاقتصاديون والاجتماعيون إشارات قوية ومطمئنة.
ثالث الإكراهات بل وأقواها هي المتعلقة بما تضمنه البرنامج الانتخابي، للأصالة والمعاصرة، وهل يمكن أن يكون جوهر البرنامج الحكومي، خاصة مع الوعود المقدمة، والتي تهم أساسا تحسين القدرة الشرائية.يمثل البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة المرجعية الأساسية التي خاض بها الاستحقاقات التشريعية، غير أن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة هذا البرنامج على التحول إلى جوهر ومرتكز للبرنامج الحكومي الرسمي، الذي يجب أن يصاغ في صيغته التوافقية ليعرض على المصادقة البرلمانيةفي آجال ضيقة للغاية.
هذا الرهان الزمني والسياسي يسبق مباشرة المحك الحقيقي الأول المتمثل في إعداد وعرض مشروع قانون المالية الأول للحكومة، والذي سيختبر بالدليل الملموس مدى انسجام الأغلبية الحكومية الجديدة وقدرتها على تنزيل التزاماتها المالية والاقتصادية في ظل الإكراهات والرهانات الكبرى للبلاد.
