“الزم بيتك.. وشد تيقارك”.. بهذه النبرة المتغطرسة خاطب عبد الإله بنكيران سعد الدين العثماني، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، في مشهد موغل في ازدواجية الخطاب بين القول والفعل عند زعيم الباجدة، الذي لطالما زعم تعرضه لتضييق مزعوم. اليوم، ينزع قناع الوداعة والمسكنة عن وجه استبدادي متعطش لقمع كل من يخالفه الرأي.
المسألة هنا تتجاوز خلافا شخصيا بين بنكيران والعثماني. فنحن أمام سياسي سابق في رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحزب، يتلقى من خلفه أمرا بالعودة إلى البيت، وكأن موقعه وتاريخه السياسي وحقه في التعبير صارت كلها خاضعة لإرادة شخص واحد.
محاولة الوأد السياسي لرئيس حكومة سابق من خلال اصدار حكم جائر لا يمكن وصفه سوى بأنه محاولة اغتيال رمزي بل وعقابا بفرض الاقامة الجبرية عليه خارج إطار القانون وخارج أي مسار مؤسساتي، تكشف حكم العنجهية والغرور الذي أصابا بنكيران لدرجة أنه بات يمنح نفسه، بعبارة واحدة، سلطة تحديد من يتكلم ومن يصمت، ومن يحضر في المجال العام ومن يعود إلى بيته. وهي صورة تختصر طريقة أوسع في التعامل مع كل صوت يخرج عن طاعته، أو يختلف معه.
من هنا، تبدو واقعة العثماني نموذجا حيا لأسلوب سياسي منبوذ يقوم على احتكار حق تعريف الصواب داخل جماعة تدعي الديموقراطية، ثم التعامل مع المخالف باعتباره عارا ينبغي دفنه حيا. بنكيران الذي جعل من مقاومة التضييق عنوانا متكررا لخطابه، يكشف في لحظة غضب أنه أكبر الديكتاتوريين ، وأشرس الطغاة المتجبرين، ولعل أخطر ما في القصة هذه المرة هو انكشاف حجم الرعب الذي يعتمد عليه لاخضاع مريدي حزبه بالحديد والنار، نعم حديد اللسان ونار القمع والتنكيل الذي يواجه به كل من يخالفه الرأي.
