شراكة بلا ابتزاز… حين يرسم الملك محمد السادس من قبة البرلمان حدود الندّية المغربية

بواسطة السبت 10 أكتوبر, 2026 - 11:48

لم يكن الخطاب الملكي السامي في افتتاح الدورة التشريعية لهذا اليوم مجرد محطة بروتوكولية في أجندة المؤسسات، بل جاء بمثابة وثيقة توجيهية تؤسس لمرحلة جديدة في علاقة المملكة المغربية بشركائها، وفي علاقة الدولة بمؤسساتها المنتخبة، فمن قبة البرلمان، وأمام ممثلي الأمة، اختار جلالة الملك محمد السادس أن يضع النقط على الحروف بلغة واضحة لا تحتمل التأويل، الشراكة مع المغرب اختيار سيادي والتزام إرادي، ولن تكون في أي حال من الأحوال موضوعا لضغط أو تهديد أو ابتزاز، وهي رسالة تتجاوز الداخل لتخاطب العواصم الشريكة، في لحظة دولية تتسم بإعادة ترتيب موازين القوى وتنامي منطق المصالح على حساب منطق الالتزامات.

إن أهمية هذا الموقف تكمن في توقيته وسياقه، فالعالم يعيش تحولات جيواقتصادية عميقة، من إعادة توطين سلاسل الإنتاج، إلى التنافس على الطاقات المتجددة والمعادن الاستراتيجية، مرورا بإعادة رسم خرائط النفوذ في إفريقيا والمتوسط، وفي خضم هذه التحولات، أصبح المغرب رقما صعبا بفضل موقعه الجغرافي واستقراره المؤسساتي ومشاريعه المهيكلة في الموانئ والطاقة والصناعة، ومن هنا، فإن تأكيد جلالة الملك محمد السادس نصره الله على أن الشراكة لا تُبنى بمنطق الإملاء، هو في جوهره دفاع عن رصيد استراتيجي راكمته المملكة المغربية على مدى عقدين، ولا يقبل أن يُستعمل ورقة في مساومات ظرفية، ولعل ملف الهجرة يجسد هذه المعادلة بوضوح، فقد أشار الخطاب السامي إلى أن النموذج التقليدي لتدبير الهجرة بلغ حدوده، وأن الأزمات المتكررة خير دليل على ذلك، والمغرب، الذي تحمّل لسنوات أعباء أمنية وإنسانية ومالية كبيرة بوصفه بلد عبور واستقرار، لم يعد مقبولا أن يُعامَل كحارس حدود لغيره، أو أن يُستدعى هذا الملف كلما احتاجت أطراف خارجية إلى ورقة ضغط، المطلوب اليوم مقاربة جديدة قائمة على المسؤولية المشتركة، تعالج الأسباب العميقة للهجرة من تنمية وتشغيل واستقرار في بلدان المنشأ، بدل الاكتفاء بمنطق أمني ضيق أثبت محدوديته، وفي السياق ذاته، جاء الرفض الملكي الصريح للتصريحات غير المسؤولة والمزايدات السياسية والإعلامية التي تُصنع أحيانا على حساب مصالح المملكة، خدمة لأجندات انتخابية أو حسابات داخلية لدى بعض الأطراف، فالمملكة المغربية شريك موثوق يفي بتعهداته كاملة، وهي بالتالي تنتظر من شركائها المعاملة نفسها، ندّية في الحوار، ووضوحا في المواقف، واحتراما لسيادتها ولقضاياها الوطنية العادلة، وهذه ليست لغة تصعيد، بل لغة دولة تعرف قدرها وتدرك أن الاحترام لا يُطلب بل يُفرض بالعمل والمصداقية، غير أن قوة الموقف الخارجي لا تنفصل عن متانة الجبهة الداخلية، وهنا تتجلى الرسالة الموجهة إلى الحكومة المقبلة، فدعوات جلالة الملك واضحة، ولا تحتاج إلى اجتهاد في التفسير بقدر ما تحتاج إلى إرادة في التنفيذ، إذ لا يمكن لبلد يطالب بالندّية في علاقاته الدولية أن يتهاون في تنزيل البرامج التي تمس حياة مواطنيه اليومية، من تشغيل الشباب، إلى تعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتقليص الفوارق المجالية، فالسيادة الحقيقية تُبنى أيضا بمواطن يشعر بأثر التنمية في معيشه، وبمؤسسات تكسب ثقته بالإنجاز لا بالوعود، ومن واجب الحكومة المقبلة، بكل مكوناتها، أن تجعل من هذا الخطاب خارطة طريق ملزمة، لا مناسبة للإشادة العابرة، فالمرحلة لا تحتمل الهدر الزمني ولا الصراعات الحزبية الضيقة، بل تتطلب نجاعة في التدبير، وجرأة في الإصلاح، وربطا فعليا للمسؤولية بالمحاسبة، كما أن البرلمان مدعو بدوره إلى الارتقاء بأدائه التشريعي والرقابي، وإلى أن يكون صوتا للدبلوماسية الموازية في الدفاع عن مصالح المملكة، بما ينسجم مع الطموحات المشروعة للمواطنين ومع التوجهات الاستراتيجية للدولة.

في النهاية، يمكن قراءة هذا الخطاب السامي بوصفه إعلانا هادئا وحازما عن نضج النموذج المغربي، دولة منفتحة على شراكات حقيقية تخدم التنمية والاستقرار المشترك، لكنها ترفض الوصاية والابتزاز بكل أشكالهما، وهو في الآن ذاته تذكير بأن مصدر هذه القوة هو الداخل، وأن كل نجاح في الميدان التنموي هو رصيد إضافي على طاولة التفاوض الدولي، وبين خارج يطالَب بالاحترام وداخل يطالَب بالإنجاز، يرسم جلالة الملك محمد السادس حفظه الله وأطال عمره، معادلة المغرب الجديد، سيادة تُصان بالموقف، وتُحصَّن بالعمل.

آخر الأخبار

إصابة لاعب الرجاء ضد المغرب الفاسي لا تدعو إلى القلق
تلقى الطاقم التقني لفريق الرجاء الرياضي لكرة القدم خبر سارا بخصوص الإصابة التي تعرض لها عميد الفريق بدر بانون، خلال المواجهة الأخيرة أمام المغرب الفاسي الخميس الماضي لحساب الجولة الثالثة من البطولة الاحترافية. وغادر بانون أرضية الملعب الشرفي بمكناس الذي احتضن المباراة في حدود الدقيقة 78 متأثرا بالإصابة، قبل أن يسارع المدرب الإسباني باكو خيميز […]
المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تدعو إلى الإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام بالمغرب
دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى الانتقال من وضعية الوقف الفعلي لتنفيذ عقوبة الإعدام إلى إلغائها بشكل نهائي من التشريع الجنائي المغربي، معتبرة أن هذه الخطوة تشكل استكمالاً لمسار تعزيز حماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية. وأكدت المنظمة، في بيان أصدرته اليوم السبت 10 أكتوبر 2026، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، تمسكها بموقفها […]
محمد السادس يقترح مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة مع إسبانيا ويرفض الضغوط السياسية
في خطابه أمام البرلمان، أشاد الملك محمد السادس بالنتائج التي حققها التعاون في مجال الهجرة مع إسبانيا، غير أنه اعتبر أن النموذج الحالي قد بلغ حدوده. وانتقد العوائق القانونية والقضائية التي تعرقل عمليات إعادة المهاجرين، ورفض الضغوط السياسية، معلناً عن مبادرة استراتيجية جديدة موجهة إلى شركاء المغرب. خصص الملك محمد السادس جزءاً مهماً من خطابه […]