سراق الزيت

بواسطة الأحد 5 أكتوبر, 2025 - 13:18

هناك لحظات في تاريخ المجتمع تبرز فيها ملامح لم تكن ظاهرة بوضوح، شرخ بين الشارع ومؤسسات الدولة، فراغ تواصلي تغذيه الهواجس، وموجة غضب تحول المطالبة إلى خراب. من بعيد تبدو الصور مألوفة، أطفال يقفون في الصفوف الأمامية، سيارات مشتعلة، شباب يحولون الشارع إلى ملعب للتدمير، ومشاهد تعيد إلى الذاكرة ليل الفوضى لا سحر التغيير. هذه ليست فقط وقائع محلية، هي بطاقة تعريف لا نحب أن تعرض عنا في الخارج.

ما ينغص المشهد أكثر هو حقيقة أن نسبة كبيرة من المشاركين في أعمال العنف قاصرون، وهذه معلومة لا يجب أن تمر كرقم إخباري بارد، بل كجريمة أخلاقية واجتماعية تستلزم مساءلة حقيقية عن من يسخرهم ومن يوجههم وإلى أي غايات، إذ ليس من الشجاعة أن تستخدم براءة الأطفال كوقود لشعارات هاتفية، هذه الحقيقة أعلنتها الجهات الرسمية وبعض التقارير،  ويجب أن تكون نقطة انطلاق لإعادة تقييم كل ما يحدث في الفضاء العام.

ثم هناك سلوك آخر يؤثر في صورتنا بالخارج، وسائل إعلام وقنوات يسعى بعضها إلى تأجيج الوضع وتسليع المشاهد العنيفة، وصعود أصوات خارجية ترحب وتهيج وتسجل المشهد باعتباره نصرا رمزيا، ففرحهم هذا لا يفرق بين خراب ونضال، هذا الاحتفاء الخارجي لا يضيف مشروعية للمطالب، بل يستخدم كوقود للانقسام وللتحامل على بلد له مؤسساته وسياقاته، ويجعل من احتجاج قد يكون مشروعا أحيانا فرصة للاستثمار الإقليمي والسياسي.

الأسوأ أن بعض الحسابات والصور في الخارج صورت وكأنها مهرجان للتخريب، شعوب تتابع وتفرح بما يحدث عن بعد، قنوات تبث بأعصاب مرتاحة وتعلق، وناشطون دوليون يدلون بتصريحات لا تراعي مبدأ الحياد أو احترام السيادة، وهذا يفتح بابا خطيرا، هل التضامن مشروع عندما يتحول إلى تحيز؟ أم أنه يتجاوز دوره الأخلاقي إلى تدخل رمزي قد يفسر خطابه على أنه تشجيع للفوضى؟ هنا تكمن المفارقة، في أن دفاع البعض عن “الحرية” قد يبدو، من منظور آخر، تشجيعا على حرق بيت الجار.

ثم إن التحامل المسبق على المغرب أو تصوير الأوضاع بنظارات أيديولوجية جاهزة يفقد الخطاب الإنساني معناه، لأن الدفاع عن الحرية في بلد لا يبرر المس بكرامة بلد آخر، من حق توكل كرمان وحتى أخواتها، أن تعبر عن رأيها، لكن من واجبها أيضا أن تدرك أن الاحترام المتبادل بين الشعوب شرط أساسي لأي نضال حقوقي صادق.

لذلك، يجب أن نضع أمام أعيننا أن صورة المغرب في الخارج ليست رفاهية بل رصيد استراتيجي، رصيدنا يؤثر في اقتصادنا، في استثماراتنا، وفي قدرة مؤسساتنا على إدارة الأزمات. حين تعرض شوارعنا كاستعراض للفوضى، فإن الرسائل المبسطة تنتشر أسرع من تفسير هادئ لسياق الاحتجاجات ومطالبه، وهنا يتضح درس آخر: التواصل ليس ترفا بل أولوية.

العجرفة، الصمت، أو الأخطاء التواصلية -أيا كانت مصادرها- تترك فراغا تملأه روايات خارجية، وتخرج ليلا جحافل من “سراق الزيت” الرمزيين الذين ينهبون صورة البلد قبل ممتلكاته.

الخلاصة ليست دعوة لقمعٍ أعمى ولا إلى تجاهل لمطالب الشباب، بل نداء إلى النضج، فتنظيم احتجاجات سلمية، حماية القاصرين، مساءلة من يستغلون الفوضى، ومراجعة جذرية لأساليب التواصل الحكومي والمؤسساتي.

دعونا نعيد للمشهد معنى الاحتجاج المسؤول، ونعيد للمجتمع ثقافة التعبير التي تحميها العقلانية لا تبتذلها الهتافات العمياء، وبهذا نتصدى لسراق الزيت، لا بصائد وحسب، بل بإصلاح يجعل الشارع آمنا لحقوق الناس وكرامة بلدنا في آن معا.

الأخطر أن هذه الممارسات تقدم أحيانا في شبكات التواصل كـ”بطولات”، في حين أنها في الحقيقة جرائم تشوّه صورة المطالب الشعبية وتمنح الدولة المبرر القانوني والأمني للرد الصارم.

إن المغرب، مثل أي دولة تسعى إلى الإصلاح ضمن الاستقرار، يحتاج إلى ثقافة احتجاجٍ راشد ومسؤول، لا إلى مشاهد دمار تعيد إلى الأذهان فوضى الجوار العربي، فبين الاحتجاج والاحتراب خيط رفيع، يجب أن نحرسه بالعقل، لا أن نحرقه بالحماس.

*إعلامي بقناة MEDI1TV

آخر الأخبار

بإذن من أمير المؤمنين المجلس العلمي الأعلى يعقد دورته الربيعية العادية الـ37
بإذن من أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس المجلس العلمي الأعلى، يعقد المجلس دورته الربيعية العادية السابعة والثلاثون يومي 19 و20 يونيو الجاري بالرباط. وفي ما يلي نص بلاغ المجلس العلمي الأعلى بهذا الخصوص : “بإذن من أمير المؤمنين مولانا محمد السادس، أعز الله أمره، رئيس المجلس العلمي الأعلى، وتنفيذا لمقتضيات الظهير الشريف […]
أزولاي: بتدشين "الفضاء الأمازيغي" قصر الحمراء بغرناطة يكتسب بعدا جديدا
أكد مستشار جلالة الملك والرئيس المشارك لمؤسسة الثقافات الثلاث للمتوسط التي يقع مقرها بـ “جناح الحسن الثاني” في إشبيلية، السيد أندري أزولاي، بغرناطة، أن قصر الحمراء اكتسب بعدا جديدا ووجد لنفسه رسالة جديدة، بتدشين “الفضاء الأمازيغي” في قلب حدائقه. وأبرز السيد أزولاي، في تصريح للصحافة، عقب تدشين “الفضاء الأمازيغي” داخل قصر الحمراء يوم السبت بمبادرة […]
جلالة الملك يهنئ محمد توشاسي بمناسبة تتويجه بطلا عالميا في الكيك بوكسينغ
بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس برقية تهنئة للبطل العالمي في رياضة الكيك بوكسينغ محمد توشاسي، بمناسبة تتويجه بطلا للعالم في صنف الوزن خفيف الثقيل، ضمن بطولة “غلوري كوليزيون 9” للكيك بوكسينغ. ومما جاء في هذه البرقية “يسرنا أن نتوجه إليك بأحر تهانئنا بمناسبة تتويجك بطلا للعالم في صنف الوزن خفيف الثقيل، ضمن بطولة “غلوري […]