حين يتحول الانفعال إلى مشروع سياسي: في تفكيك خطاب بنكيران حول “القضية” و”الحمار”

بواسطة الجمعة 2 مايو, 2025 - 09:17

في مقطع فيديو مصور بلغني من صديقة عزيزة، يظهر فيه عبد الإله بنكيران، الزعيم السابق والحالي وربما اللاحق والأبدي لحزب العدالة والتنمية، تتجسد من خلاله، واحدة من أخطر التجلّيات الخطابية التي تفضح ليس فقط البنية الذهنية للفاعل السياسي الإسلامي المحافظ، بل تعرّي أيضاً اختلالات فادحة في منظومة القيم والتواصل السياسي الذي يختبئ وراءه خطاب الرجعية. فالخطاب كما هو مسرود لا يمكن اعتباره زلة لسان عرضية، بل هو تعبير واعٍ عن منظومة فكرية ترى في “السب والشتم” أداة مشروعة ما دام يخدم “القضية”، وتغطي على هذا الانحدار بمنطق “النية” و”الصدق” المزعومين.

ما يدعو إلى القلق ليس فقط في مضمون ما قاله بنكيران، بل في طريقة تعبيره التي تستبطن اختزالاً لعالم القيم إلى ثنائية فجة بين ما هو مقدس وغير مقدس، بين “القضية” و”الأسلوب”، وكأن مناصرة الشعب الفلسطيني تبرر الانحدار الأخلاقي، وتبيح كل أشكال الخطاب العنيف، ما دام هذا العنف نابعاً ممن “يحمل القضية”. في هذا الإطار، يصبح الشتم والمحاباة والانفعالات الغريزية بمثابة مؤشرات على “الصدق” و”الالتزام”، في حين يُتهم من يمارس النقد العقلاني والواعي بالخيانة أو الجبن أو العمالة. هكذا تنقلب المعايير، ويتحوّل الانفعال إلى فضيلة، والعقل إلى رذيلة.

وحين يُقحم بنكيران تشبيهاً بالحمار في سياق تبرير سلوكياته، فإنه لا يفعل سوى إعادة إنتاج صورة “الزعيم” الذي يتماهى مع رموز شعبوية يعتقد أنها تُكسبه القرب من الجماهير، لكنه في الحقيقة يسقط في منزلقات خطيرة تمس بالذوق العام، وبالرمزية الثقافية للحيوان نفسه، الذي، وإن وُصف تقليدياً بالغباء، إلا أنه في التحليل العلمي حيوان ذكي، صبور، وله قدرات حيوية فائقة. فالقول “أنا أحب الحمار” ليس نكتة بريئة ولا مجازاً مألوفاً، بل إقرار مبطن باستبطان موقع الدونية الطوعية، كأنه يقول إن الامتثال والخضوع والانقياد وراء الانفعال الغرائزي هو شرف لا يضاهيه شيء. بهذا المعنى، يصبح التماهي مع “الحمار” إشارة رمزية إلى نوع من الاستعداد الطوعي للعب دور الأداة، بدل الارتقاء إلى دور الفاعل العاقل.

إن تبرير خطاب العنف الرمزي في الساحة السياسية باسم “القضية الفلسطينية” هو من أخطر مظاهر الابتذال السياسي، ويشكّل انتهاكاً صارخاً لمبادئ النضال الإنساني الذي لا ينفصل عن الكرامة وحرية التعبير. فالقضية الفلسطينية ليست في حاجة إلى مزايدين يستعملونها لتبرير فشلهم أو سقطاتهم الأخلاقية. كما أن استعمالها كأداة تبريرية للتهجم والتشهير هو شكل من أشكال توظيف المأساة لأغراض سياسوية ضيقة، وهو ما يُسقط كل المصداقية عن المتكلم.

وفي ظل هذا المنطق، لا يعود للمشروع السياسي أي أفق تحرري، بل يتحول إلى مجرد آلية لتدجين الجماهير وتحويلها إلى كتلة منفعلة تنفعل بالشعارات وتغضب بالسب، دون أن تتمكن من إنتاج فعل تاريخي واعٍ. هنا، تظهر خطورة الفكر الذي لا يفصل بين السياسة كفن للتدبير والتواصل، وبين السياسة كمنصة للثأر والانفعال. كما يظهر خطر الزعيم الذي يقدم نفسه على أنه استثناء أخلاقي، في حين أنه يمارس كل ما يدعي محاربته.

إن تحليل هذا الخطاب لا يمكن أن ينفصل عن أزمة الفكر السياسي المحافظ الذي يعجز عن تجديد نفسه، فيركن إلى ممارسات خطابية بالية تسعى إلى دغدغة العواطف بدل إعمال العقل، وتتحصن خلف قضايا عادلة لتبرير سلوكيات غير عادلة. ومن ثم فإن مثل هذا الخطاب لا يعبر عن انحراف فردي فقط، بل هو نتيجة طبيعية لبنية فكرية لا تزال تُنتج الزعيم الملهم، المتعالي على النقد، المستثنى من الأخلاق، المُحصّن ضد المساءلة، ما دام يتحدث باسم “القضية” أو “الإسلام” أو “الشعب”.

وهذا ما يجعل النضال الحقيقي اليوم لا يمر عبر دعم هذه الأصوات بل في فضحها وتفكيك خطابها، والكشف عن التناقض بين ما تدّعيه من مبادئ وما تمارسه من عنف رمزي وتبرير للسقوط. فبقدر ما نُظهر هذا التناقض، نعيد الاعتبار للفكر النقدي، ونُحرر القضايا العادلة من عبء الاستغلال السياسي الانتهازي.

* أستاذة جامعية. فاعلة سياسية ونقابية 

آخر الأخبار

أوروبا تدخل مرحلة جديدة في ملاحقة الشبكات العابرة للحدود.. من استهداف الفروع إلى تفكيك البنية المالية
تشهد أوروبا تحولًا لافتًا في آليات التعامل مع التنظيمات والشبكات العابرة للحدود، بعدما انتقلت الجهود الأمريكية من التركيز على ملاحقة الفروع والكيانات المحلية إلى استهداف البنية المالية والمؤسسية التي تضمن استمرار نشاطها عبر أكثر من دولة. ويعكس هذا المسار توجهًا جديدًا يقوم على ملاحقة القيادات التي تدير التمويل والتنسيق، باعتبارها الحلقة الأكثر تأثيرًا في استمرارية […]
بنسبة تتجاوز 17 في المائة .. المغرب يسجل ارتفاعا في صادرات قطاع السيارات
 أفاد مكتب الصرف بأن صادرات قطاع السيارات بلغت 93,65 مليار درهم عند متم يونيو 2026، مسجلة ارتفاعا بنسبة 17,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وأوضح المكتب، في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، أن هذا الأداء يعزى إلى ارتفاع مبيعات قطاعي البناء بنسبة زائد 26,7 في المائة إلى 37,93 مليار درهم، […]
عيد العرش المجيد .. الأحزاب السياسية تشيد بمضامين الخطاب الملكي السامي
أشادت عدد من الأحزاب السياسية بمضامين الخطاب الملكي السامي، الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى شعبه الوفي، بمناسبة تخليد الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد. ونوهت مختلف الأحزاب السياسية بدعوة جلالة الملك، في خطابه السامي، إلى تفعيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بما يرسخ العدالة المجالية، فضلا عن تعزيز السيادة الوطنية […]