لِقادة الجزائر: “الوقيعة” تخدع… والواقعيّة تنفع

بواسطة الثلاثاء 5 سبتمبر, 2023 - 16:42

مُنتصف شهر غشت، المنصرم، صرّح السيد ميغيل أنخيل رودريغز ماكاي، وزير خارجية البيرو الأسبق، ناصحًا حكومة بلاده بأن عليها “بخصوص قضية الصحراء المغربية ألاّ تُدير ظهرها للواقعية السياسية الدولية وألا تستمر في تبنّي موقفٍ خاطئٍ ومسيءٍ إلى القانون الدولي”… يقصد مُنافيا للواقعية السياسية الدولية… وكان ذلك التصريح ضِمن تصريحاتٍوبياناتٍ من كُتلٍ سياسية بيروفية موَجّهة إلى رئيسة البيرو للعودة إلى موقف القطيعة مع البوليساريو، الّذي أعلنته الحكومة يوم 18 غشت 2022، والّذي تأسّس على قرار 1996 القاضي بتعليق علاقات البيرو مع البوليساريو… هذه الحركة المُتّصلة بتوجيه الديبلوماسية البيروفية نحو اعتماد “الواقعية السياسية الدولية”، بخصوص مغربية الصحراء وعدالة القضية الوطنية المغربية، تَتّجِه نحو فرض تحول في السياسة الخارجية البيروفية، قناعة وأفعالا، على خُطى عشرات الدول الكبرى، المتوسطة والصغرى في العالم… إذْ “الواقعية السياسية الدولية” ليست مجرد نَزْوَى أو حُمّى انْتابَت العالم في تعاطيه مع القضية المغربية… إنّها خُلاصة قناعة مبْنِية على دِراسات عميقة لمِلَف قضية الصحراء المغربية، بمعطياته التاريخية وبأبعاده الجيوستراتيجية، خاصّة في سيّاق تحولات وتوَتّرات ونزاعات العالم، وبالذات في الموقع الجغرافي للقضية، وبما يعتريه من تقلُّبات وهشاشة وتهديدات للسّلم العالمي…

“الواقعية السياسية” هي التي أنْتجت الثّقافة الدّوْلية، ذات المفعولالمرجعي، في التفاعل مع تطورات القضية الوطنية المغربية… والتي قادت إليها الواقعية السياسية المغربية، عبر عقود، من المبادرة بقرارات مِقدامة لتحريك فُرص، بل إنتاج شُروط الحلّ السيّاسي للنِّزاع… الواقعية السياسية نهْج ثابت، به قاد الراحل الملك الحسن الثاني، وبحسٍّ تاريخي، انتصارات المغرب على مواجهات الجزائر له، عبر أداتها مجموعة البوليساريو، وفي مُنعطفات مِفْصلية ونَوْعية… وعلى نهجه، وتأسيسا على المنْجز الملموس في الانتصار لعدالة القضية المغربية يسير جلالة الملك محمد السادس…

سنة 1981، سيفاجئ الحسن الثاني العالم، وأيضا قوى وازنة في المجتمع السياسي المغربي، بقَبُول إجراء الاستفتاء في الصحراء المغربية، كان ذلك في مُؤْتمر مُنظمة الوحدة الإفريقية بنيروبي… بدا الإعلان عن التّجاوُب مع نداءات دولية، لدى قِوَى خارجية تعبيرا عن حالة ضعف، ولدى قِوَى وطنية تنازُلا مجانيا عن مبدأ وطني… الملك كان حكيما، وذو بعد نظر، وهي ميزة القادة التاريخيين…

انخرط المغرب في مسلسل تحديد هوية الهيئة الاستفتائية… أشرفت الأمم المتحدة على تلك العملية… مجموعة البوليساريو حاولت إفساد العملية، حين تبيّن لها أن قوائم من لهم حق التصويت في الاستفتاء تتّسع، وقد صالحت الصحراويين المغاربة مع تاريخهم ومع حقّهم في تقرير المصير الوطني المغربي للأقاليم الصحراوية المسْتَرْجَعة من الاستعمار الإسباني…

جيمس بيكر، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، تبرّم من عبث مجموعة البوليساريو، فأعلّن رسميا تعذُّر إجراء أي استفتاء، جملة وتفصيلا، مبدئيا وواقعيا… ومن يومها أبعدت الأمم المتحدة كلمة ومفهوم الاستفتاء من قاموس تعاطيها مع النزاع… وأقرّت “البحث عن حلٍّ سياسي توافُقي ومُتفاوض عليه”… واقعية الحسن الثاني أفضت إلى واقعية السّعي الدولي إلى الحل…

جلالة الملك محمد السادس، سيُخْرج المجتمع الدولي من المُراوَحَة في المواقف نفسها، عبر تعدُّد جلسات المفاوضات، في عدة عواصم، ووقُوفها الدائم عند جدار هَذَيَان مجموعة البوليساريو المسنُود بتخَشُّب مواقف القيادة الجزائرية… ليُطلق في وضع النّزاع ديناميكية فَتحتْ فيه مسارا أوْضح وأفْعَل، من مُنْطلق واقعية سياسية، لا يُقْدِمُ عليْها إلاَّ قائدٌتاريخي، لديْه مشروع وطنيٌّ، إصلاحيٌّ وتحديثيٌّ، وواثقٌ فيه من نفسه ومن شعبه ومن انْسِجامه مع الاتّجاه الواقعي للتاريخ…إذْ بادر بمُقْترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية المغربية، سنة 2007.

ذلك المقترح النّاتج عن الواقعية السياسية المجْبُول عليها التدبير الملكي بدا أن المجتمع الدولي تلقاه، في شكل مطرٍ مُسْتحْلبٍ من الغُيوم السميكة والدّاكنَة التي كانت تلُف وضْع النّزاع وتُضّبِّبُ مَنَافِذَ فتْحِه على آفاقِحلول واقعيّة وتاريخية… وبذلك تغذّت الواقعيّة السياسية الدولية بمبادرة ملكية حركت دينامكيتها… ما أدى إلى تبنّي مجلس الأمن (التابع للأمم المتحدة) في قراراته للسنوات الأخيرة جوهر وغاية مُقترح الحكم الذاتي المغربي، مُشدِّدا على التَّوَصل إلى “حلٍّ سياسي، واقعي، دائم ومتوافق عليه”…

يرى فيه المجتمع الدولي، حِكْمَة مَلكية لربح المستقبل، وطوْق تحلُّلٍ للقيادة الجزائرية من إحراجات أقحمت نفسها فيها… ويحرِّرها من عبْئ مجموعة انْفصالية، حمَلتها وتحمَّلتْها لعقود… في سياق نزْعة اسْتبدّت بها وأدمنت عليها وهي انشغالها “بالوقيعة” بالمغرب…

الطريف أن جريدة “أفريكا” الجزائرية، في عددها الأسبوعي، وضعت، في غلافها، صورةً للمشاركين في مؤتمر “البريكس” بجوهانسبورغ، وضمنهم إبراهيم غالي، رئيس مجموعة البوليساريو، وبالبَنط العريض وَضعت عنوانا يقول “القضية الصحراوية تُحقق أحدَ أكبر انتصاراتها الديبلوماسية منذ 1975″… وهي ليست إلا صورة فبْركتها رئاسة جنوب إفريقيا ودسّت فيها السيد غالي، وبِلا أي مُؤَدَّى ديبلوماسي أو سياسي… هو هناك لم يكُن سِوَى واحدا من الكومبارس لتنشيط حفل افْتِتاح المؤتمر… والأهم أن عُنْوان الجريدة احتفى بالصورة ووصفَها بأنها أكبر انتصار منذ 1975…هو إقرار بخُلوِّ رصيد المجموعة الانْفِصَالية من الانتصارات، ولوْ حتى قبولها عضو في “الوحدة الإفريقية” سنة 1984… وهي كذلك، حقا، منذ تشغيل القيادة الجزائرية لها، مُجرد أداة، في صُوَرٍ أو بدونها، في “سياسية الوقيعة” الجزائرية ضد المغرب…

الواقعية السياسية ستفيد الجزائر، إذا صَحَت عليها، داخليا وخارجيا…كمافي البيرو يتّجهون إلى تبني الواقعية السياسية الدولية، في نزاع الصحراء المغربية، لمصلحة البيرو أولا…أما الواقعية السياسية المغربية فهي رصيد دولة عريقةٍ يُمارِسُ بها ملك… وملك قائد تاريخي، لفائدة الوطن المغربي وفي امتداده المغاربي، الإفريقي والمتوسطي… أي لفائدة السلم في المنطقة ومنها للعالم.

عن جريدة “العرب” الصادرة من لندن.

2

آخر الأخبار

معما يتوج بجائزة أفضل لاعب شاب بواتفورد
أعلن نادي واتفورد الإنجليزي رسميا عن تتويج الموهبة المغربية الصاعدة، عثمان معما، بجائزة أفضل لاعب شاب في النادي للموسم الحالي، تقديرا لمستوياته الباهرة التي قدمها بقميص “الدبابير”. وجاء هذا التتويج ثمرة لمسار تصاعدي بصم عليه اللاعب طوال ردهات الموسم، حيث نجح في فرض اسمه كركيزة أساسية في تشكيل الفريق الشاب، بفضل انضباطه التكتيكي وتطوره الفني […]
فؤاد العروي يغوص في عوالم التبوريدة واللغات خلال لقاء ثقافي بالمعرض الدولي للكتاب
نظم أمس السبت بالرباط، لقاء ثقافي قدم خلاله الكاتب فؤاد العروي تجربة انغماس ثقافي، نقل من خلالها الجمهور إلى عوالم التبوريدة واللغات، وذلك بمناسبة مناقشة مؤلفيه “الحياة، الشرف، الفانتازيا”، و”المعضلة اللغوية في المغرب”، في إطار فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين. ومكن هذا اللقاء من تقديم قراءة متقاطعة حول الديناميات الثقافية بالمغرب […]
العثماني:شيطنة المذاهب إقصاء للبعد المقاصدي ما يحول الشريعة الإسلامية إلى نصوص مجتزأة
بقلم  الشيخ الصادق العثماني ليس من السهل أن نُقارب الخطاب الذي تروّجه بعض التيارات السلفية المعاصرة دون قدر من الصراحة العلمية والإنصاف المنهجي، ذلك أن هذا الخطاب يتلبّس لبوس الدعوة إلى “الرجوع إلى السنة”، وهي كلمة حق لا يختلف حولها مسلمان، غير أن الإشكال لا يكمن في الشعار المرفوع، بل في المآلات التي يُفضي إليها، وفي […]