في الوقت الذي كانت فيه سحب الدخان لا تزال تصاعد فوق ثكنة “كاتي” ومحيط مطار باماكو، حمل البلاغ رقم (001-2026) الصادر عن الحكومة الانتقالية في مالي “لغة مشفرة” وجهت فيها أصابع الاتهام الضمنية إلى ما وصفته بـ “رعاة الإرهاب” (Sponsors)، في تلميح اعتبره مراقبون يستهدف بشكل مباشر الجزائر وجبهة البوليساريو.
ويرى محللون سياسيون أن اختيار باماكو لمصطلح “رعاة الإرهاب” لم يكن عفويا، فمنذ إعلان مالي في 10 أبريل 2026 عن قرارها التاريخي بـ سحب الاعتراف بالكيان الوهمي فوق معسكرات الإحتجاز بتندوف، ودعمها الكامل لمغربية الصحراء، شهدت المنطقة تصعيدا دبلومسياً حادا، ويعتقد أن الهجمات المنسقة التي نفذتها “جماعة نصرة الإسلام” و”جبهة تحرير أزواد” بعد أسبوعين فقط من هذا القرار على العاصمة بماكو هي “فاتورة سياسية” يراد لمالي دفعها.
وتأتي الهجمات في ذروة الغضب الجزائري من التقارب (المالي – المغربي). ويرى الجانب المالي أن تزامن التصعيد العسكري مع هذا التحول الدبلوماسي يؤكد وجود “غرفة عمليات” إقليمية تحرك هذه الخيوط للضغط على المجلس العسكري الحاكم.
وفي نفس السياق، وبعد أن فقدت جبهة البوليساريو أحد أهم معاقلها الدبلوماسية في غرب إفريقيا (مالي)، تشير تقارير استخباراتية محلية إلى محاولات “إعادة تموضع” لعناصر من الجبهة في مناطق التماس بين موريتانيا ومالي والجزائر، وهو ما يفسر تحذير باماكو من “الأجندات الخارجية” التي تحاول زعزعة استقرار دول الساحل.
هذا ويتزامن اتهام مالي لـ “رعاة الإرهاب” مع إعلانها النهائي عن “وفاة” اتفاق الجزائر للسلام، واتهامها العلني السابق للجزائر بإيواء قيادات انفصالية.
وعلى صعيد آخر، فإن الهجمات الأخيرة في “كيدال” و”غاو” نفذت بأسلحة وتكتيكات، تقول مصادر عسكرية مالية إنها “لا يمكن أن تتوفر لجماعات معزولة دون دعم لوجستي من قوى إقليمية ناقمة”.
وعلى ضوء هذه المستجدات الخطيرة التي تكشف حجم التدهور الأمني بمنطقة الساحل، وحجم تورط الجزائر مع تنظيمات جهادية وميليشيات انفصالية، لزعزعة المحيط الاقليمي، جاء بيان دولة مالي ليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه ما تعتبره “حربا بالوكالة” تشن ضدها بسبب مواقفها السيادية الجديدة، وعلى رأسها تصحيح موقفها من ملف الصحراء المغربية والابتعاد عن محور (الجزائر – البوليساريو).
