في غمرة الأزمة الاقتصادية الذي يضرب كبريات القوى العالمية، وفي وقت ترفع فيه بنوك مركزية دولية الراية البيضاء أمام غول التضخم والانكماش، اختار فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، أن يشرّح ملامح الاستثناء المغربي في تدبير الأزمات، مؤكدا بنبرة الواثق أن الماكينة الاقتصادية للمملكة تملك من الممانعة ما يكفي لهزم رياح القلق القادمة من وراء البحار، بعيدا عن لغة الأرقام الجافة التي لا تعكس عمق التحولات الهيكلية التي تعيشها البلاد.
لقجع، وهو يتحدث أمام ممثلي الأمة، شدد على أن صمود الاقتصاد الوطني ليس نتاج صدفة عابرة أو تدابير ترقيعية أملتها الظرفية، بل هو ثمرة مسار استراتيجي من الإصلاحات الجريئة التي جعلت المغرب ينتقل من مرحلة تلقي الصدمات إلى مرحلة امتصاصها وتدويرها، بفضل تنويع الروافد الإنتاجية وتقوية الجبهة المالية الداخلية؛ وهو ما سمح للمملكة بالحفاظ على توازناتها الكبرى في عز العاصفة، معتبرا أن الاقتصاد المغربي بات يشكل اليوم درعا وطنيا حقيقيا يتجاوز منطق الحسابات الضيقة ليجسد عقيدة السيادة الاقتصادية في أبهى تجلياتها.
هذا التوجه السيادي يظهر جليا في قرار الدولة عدم التضحية بالاستثمار العمومي، بل جعله القاطرة التي تجر عربة النمو وتضمن دوران العجلة الإنتاجية رغم تراجع الطلب الخارجي وضغوط المديونية العالمية، مع إصرار حكومي لافت على أن الأوراش الاجتماعية الكبرى تظل خطا أحمر لا يقبل المساومة، فالحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية ليس ترفا محاسباتيا، بل هو الضمانة الوحيدة والصلبة لتمويل ورش الدولة الاجتماعية وتنزيل الحماية الاجتماعية الشاملة، وهي المعادلة الصعبة التي تضعها الحكومة في مقدمة أولوياتها لمواجهة إكراهات مرحلة لا تقبل أنصاف الحلول.
وبين سطور هذا الدفاع المستميت عن الحصيلة، برز رد مفحم على تجار التشاؤم، حيث أوضح لقجع أن المؤشرات الحالية حول تماسك الميزانية والتحكم في العجز تعني عمليا أن المغرب يمسك بزمام سيادة قراره الاقتصادي، فبينما تهرول دول أخرى نحو تقشف موجع، يواصل المغرب بناء مجمعاته الصناعية وتدشين موانئه الكبرى، مما يضعنا أمام مسؤولية جماعية لتحويل هذه الصلابة إلى رخاء ملموس ينعكس على المعيش اليومي للمغاربة، في معركة نفس طويل يبدو أن مهندس الميزانية عازم على كسبها بالواقعية السياسية وقوة الأرقام التي لا تجامل أحدا.
