أعرف منذ زمن طويل أننا مزعجون، وفي القاعدة الأولى لتعريف الصحافي يقال على ألسنة من سبقونا إلى اختراع المهنة وكتابة أبجدياتها إن الصحافي غير المزعج هو بكل اختصار: ليس صحافيا.
وبالنسبة للصحافيين الذين تصفق لهم الجموع، وتعلي من قيمتهم، وتهتف بأسمائهم في المحافل والمظاهرات، هناك لبس صغير.
هؤلاء ليسوا صحافيين.
هؤلاء سياسيون أبناء… سياسة ضلوا طريقهم إلى مهنتنا المسكينة، وتحلوا بجبن كبير منعهم من التقدم للانتخابات، لكنهم يريدون باستمرار الإحساس والشعور بما يحس به محترف السياسة: أن تصوت لصالحهم الجموع التي لم يتحلوا بما يكفي من الشجاعة للتقدم لنيل أصواتها في الانتخابات.
لذلك لا إشكال لدي، منذ القديم، ولدى كل زملائي في المجموعة بمختلف تفرعاتها في أن نسمع “من المنقي خيارو”، وأن يقال لنا دوما بأننا سبب كل مشاكل وآفات الكرة الأرضية كلها، وليس المغرب فقط.
لذلك وقبل أن نطلق بودكاستاتنا، عبر منصة “أحداث.أنفو” قلتها لكل من أراد الإصغاء لي: “سيجنون، أيها الأصدقاء، وسيتركون ما أمامهم وما خلفهم، وسيتفرغون مجددا لمحاربة نجاحكم، كعادة كل الفاشلين”.
وكذلك كان.
وبالنسبة للعبد لله، وهو شخص عاش تجربة نجاح “الأحداث المغربية” الورقية الخرافي، ولا أريد أن أقول ساهم فيه، مع أن العبارة مغرية لغروري الإنساني، كنت أتوقع ما هو أسوأ من هذا الهجوم على نجاح الدفعة الأولى، والأولية، من بودكاستاتنا عبر منصاتنا.
لماذا؟
بكل اختصار، لأن الميدان الصحفي المغربي بحاجة إلى مهنييه الحقيقيين، والثابتين، والمكرسين، ومن أكدوا في التقليدي من الأدوات كفاءتهم ومهنيتهم، لكي يرتقوا بمستواه المصور، في المستجد من الأدوات، ولكي يصعدوا به درجة أخرى إضافية نحو تميز جديد.
ولنتفق عليها قبل أن نواصل: لا مشكل لدي مع الوافدين الجدد، بل إنني واحد من أكبر مشجعيهم ومن المراهنين دوما على غلبتهم وفوزهم مقابل انهزام السابقين.
لكنني من الناس الذين يؤمنون أن الصحافة مهنة، وأنك إذا فشلت في زمن سابق في كتابة مقال واحد جيد، لن تنجح اليوم في تصوير فيديو يستحق أن يندرج ضمن المهنة، حتى وإن حقق ما صورته ملايير المشاهدات.
من الضروري كذلك التمييز بين من يصور ويسجل ويبث بمهنية، وبين من لديه حساب يريد أن يصفيه.
تصفية الحسابات أمر سيئ. وقد تكون صحافيا جيدا، وكاتب رأي أجود، لكن إذا دخلت إلى تصوير حلقتك فقط لرغبة تصفية العقد والحسابات العالقة سيشعر المشاهد بذلك، وفي عمق نظاراتك الداكنة سيرى أنك تتحدث فقط لكي نتخلص من بقية الحساب.
المهم، من خلال بودكاستات زملائنا بلمداحي ودافقير وبصور وبلحميدي والبقية، نكتشف أن هناك صوتا داخل المشهد المرئي عبر الأنترنيت لم ينصت إليه من يتفرجون على كل ما يقع منذ سنوات، هو صوت المهنة والمهنيين.
حان الوقت للاستماع الرصين لهذه الأصوات المبنية على تاريخ وحرفة وعلم واحترام للعمل الذي تقوم به، وحان الوقت لإزعاج من نوع جديد، بالرقمي هذه المرة، بعد أن أزعجنا نفس المتكلسين في السابق من الوقت بالورقي.
وأريد هنا أن أفتخر بالعمل الذي يقوده زميلي سعيد نافع في الموقع والمنصة، ومعه شباب وآخرون أقل شبابا، امتلكوا ما يكفي من العقل لكي يتفرجوا كل هذه السنوات على “مي نعيمة” ومن يشبهها من “خواتاتي المغربيات”، ولم ينطلقوا في عملهم، وفي تقديم هذه البودكاستات، من رغبة لا في تصفية الحسابات مع ما مضى، ولا في نيل أصوات السادة المشاهدين، بل انتصروا لمهنتهم فقط، وقالوا “سنثبت مجددا للأدعياء أننا نحن الأصل، وأنهم أقل بكثير من أن يكونوا التقليد”.
