الدار البيضاء.. وقائع موت سياسي منذ 2002

بواسطة الثلاثاء 24 يونيو, 2025 - 10:48

يلاحظ من يتابع المشهد السياسي في الدار البيضاء منذ سنة 2002 أن نفس الوجوه والأسماء تتكرر في كل محطة انتخابية، بنفس العائلات،و بنفس الرموز التي احتكرت المشهد لعقود، وكأن الزمن السياسي في هذه المدينة الكبرى قد تجمد.

ففي كل مرة تغير الأحزاب برامجها وشعاراتها،و تغير العبارات وتبدل الألوان، ويبقى شيء واحد عصي على التغيير: المرشحون والمسؤولون الحزبيون، والنتيجة لا تتغير ولا هم يحزنون: استمرار الركود، استمرار الاختلالات، واستمرار خيبات الأمل.

فالأحياء الشعبية، من درب السلطان إلى سيدي مومن، تعرف جيدا هؤلاء الذين يأتون مرة كل خمس سنوات ليعدوا الناس بالتغيير وبفرص الشغل وبالبنيات التحتية، ثم يختفون مباشرة بعد الفرز الأخير للأصوات، وهو نفس السيناريو الذي يتكرر بالأحياء الراقية، مثل أنفا والمعاريف التي لم تنجو، بدورها، من هذا الجمود، رغم اختلاف حاجياتها وانتظاراتها.

والنتيجة أن المدينة تبدو رغم بعض المشاريع الكبرى هنا وهناك، وكأنها لا تتحرك، أو بالأحرى تدور في حلقة مفرغة من تدبير هش، ومجالس متعاقبة تختلف فقط في الأسماء لا في الجوهر ولا في الممارسة.

والمفارقة أن الأحزاب تعيد تدوير نفس الوجوه؛ برلمانيون قدامى يتحولون إلى رؤساء جماعات، منتخبون جماعيون يصبحون مستشارين في الجهة، وزراء سابقون يعودون ليتزعموا اللوائح الانتخابية محليا، في حلقة مفرغة لا تجديد فيها، لا دماء جديدة، لا كفاءات قادرة على فك عقدة التدبير الحضري لهذا القطب الاقتصادي الهام.

كل هذا يحدث في ظل صمت جزء كبير من النخب الشابة التي اختارت الهجرة إلى الخارج أو الانزواء في الصمت، بعدما فقدت الثقة في قدرة هذا النظام الحزبي المحلي على فتح المجال أمامها.

حيث أصبحت الدار البيضاء التي كانت حلم الأجيال، وحاضنة المشاريع الكبرى في الستينيات والسبعينيات، مدينة تعاني من الفوضى المرورية، العشوائيات، ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وتدهور جودة العيش، رغم أن الملك تدخل شخصيا أكثر من مرة لدق ناقوس الخطر بخصوص أعطاب الدار البيضاء، إلا أن المنتخبين المحليين ظلوا يتعاملون مع الأمر وكأنه لا يعنيهم، مستفيدين من وضعية التكرار التي تضمن لهم البقاء في مناصبهم دورة بعد أخرى.

من 2002 إلى 2025، لم تعرف المدينة تغييرا حقيقياً في نخبها السياسية، ولا في طريقة تدبير شؤونها، فمشاريع مثل “كازا نيرشور” و”كازا ترانسبور” و”الطريق الساحلية” تحولت إلى عناوين لأزمات أكثر منها لنجاحات، فيما ظلت الملفات الاجتماعية الكبرى معلقة: السكن، النقل، الشغل، التلوث، الأمن الحضري… وبين هذا وذاك أصبح المواطن البيضاوي لا ينتظر من الانتخابات سوى تجديد واجهات الملصقات الدعائية، وتغيير صيغ الخطاب، مع يقين داخلي أن نفس الأسماء ستعود، ونفس النتائج ستتكرر.

وفي الوقت الذي تغيرت فيه النخب السياسية في مدن كثيرة داخل وخارج المغرب، بل حتى في بعض الدول المجاورة التي عرفت حركية سياسية وإدارية ملحوظة، ظلت البيضاء أسيرة منظومة مغلقة؛ وجوه قديمة صارت تعرف كل تفاصيل اللعبة، تحمي مصالحها وتعيد إنتاج ذاتها، غير عابئة بالتحولات المجتمعية ولا بالأجيال الجديدة التي تبحث عن صوت مختلف ورؤية مختلفة.

هذا التكلس في النخب البيضاوية يعكس مشكلتين متلازمتين: فمن جهة هناك غياب الإرادة الحزبية الحقيقية في تجديد دماء التنظيمات المحلية، ومن جهة أخرى، ضعف الضغط الشعبي والمجتمع المدني الذي تحول معظمه إلى ملحقات انتخابية، أو إلى كيانات تبحث عن التمويل والدعم بدل الفعل والتأثير.

وهو ما يجعل من مدينة بحجم البيضاء تجد نفسها، بعد أكثر من عقدين من الزمن، في وضعية غريبة: مدينة تنبض اقتصاديا بمشاريع كبرى، لكنها عاجزة عن أن تفرز نخبا سياسية وإدارية جديدة قادرة على تحقيق الإقلاع الحقيقي، مقابل سيطرة نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس العقليات، ونفس السياسات الترقيعية التي لم تفعل سوى تعميق الأعطاب وتعقيد الحلول الممكنة.

قد يكون من المبالغة القول إن الزمن السياسي في الدار البيضاء متوقف منذ 2002، لكنه توصيف لا يخلو من الصحة، فقد تعاقبت الحكومات، وتغيرت الوزارات، ودخل المغرب عهدا دستوريا جديدا، لكن في الدار البيضاء ظل كل شيء على حاله: مدينة كبرى يديرها صغار السياسة، وفضاء حضري ضخم تحكمه عقليات تقليدية عفا عنها الزمن.

ليبقى السؤال معلقا إلى إشعار آخر: متى ستستفيق الدار البيضاء من سباتها السياسي؟ ومتى ستكسر هذه الحلقة المفرغة من تدوير نفس الوجوه التي لم تعد قادرة على تقديم أي شيء جديد لهذه المدينة العظيمة.

آخر الأخبار

الزلزولي وأكرد يغادران معسكر الأسود
غادر عبد الصمد الزلزولي ونايف أكرد، معسكر المنتخب الوطني بمدينة نيوجيرسي الأمريكية، بعد تأكد استحالة مشاركتهما في نهائيات كأس العالم 2026. ​وجاءت مغادرة الجناح عبد الصمد الزلزولي بعد تعرضه لالتواء حاد في أربطة الركبة اليمنى خلال المواجهة الودية الأخيرة ضد النرويج، حيث أكدت الفحوصات الطبية حاجته لفترة علاج وتأهيل تمتد لأكثر من شهر. ​كما غادر […]
رونار مدربا جديدا للمنتخب التونسي
أعلنت الجامعة التونسية لكرة القدم، اليوم، عن تعيين الفرنسي هيرفي رونار مدربا جديدا لنسور قرطاج بموجب عقد يمتد حتى نهاية كأس العالم 2026،  لتعويض المدرب السابق صبري لموشي، مشيرة إلى أن رونار سيباشر مهامه الرسمية بداية من مساء اليوم الثلاثاء وبنفس الامتيازات المالية للمدرب السابق. ​وسيكون التركيز الفوري للمدرب الجديد منصبا على تحضير المنتخب للاستحقاقات […]
مزور:30 في المائة من مداخيل مول الحانوت ترتبط بالتعبئة الهاتفية
نوه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، بالدور الكبير الذي يلعبه مول الحانوت في المجتمع، مشيرا أن ” التاجر الصغير كان ولايزال وسيبقى كحلقة أساسية في المجتمع”. وفي رده على سؤال شفوي للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية،خلال الجلسة العمومية لمجلس النواب، اليوم الاثنين 15 يونيو 2026 حول التدابير المتخذة لحماية و مواكبة، ودعم محالت البقالة، أكد مزور […]