الثقل الدولي الذي تحظى به مؤسسة إمارة المؤمنين، كراعية وحاضنة وضامنة للاختلاف، جعلت المغرب وجهة لأكثر من زيارة بابوية، حيث ذكر جلالة الملك محمد السادس خلال استقباله الرسمي للبابا فرانسيس الأول سنة 2019 للمغرب، بزيارة الحبر الأعظم البابا يوحنا بوليس الثاني، الذي استقبله الراحل الحسن الثاني خلال زيارته التاريخية للمغرب سنة 1985، ما يعكس العلاقات العريقة بين المغرب والفاتكان، والحرص الملكي على التشبث الدائم بروابط الأخوة التي تجمع أبناء إبراهيم عليه السلام، كركيزة وصفها الملك بأنها أساسية للحضارة المغربية الغنية بتعدد وتنوع مكوناتها.
واعتبر جلالة الملك أن التلاحم بين مختلف الأديان في المغرب واقع يومي يتجلى في المساجد والكنائس والبيع، التي تجاور بعضها البعض في مدن المملكة، مؤكدا ائتمانه بصفته ملكا وأميرا للمؤمنين، “على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم. وبهذه الصفة، لا يمكنني الحديث عن أرض الإسلام، وكأنه لا وجود هنا لغير المسلمين. فأنا الضامن لحرية ممارسة الديانات السماوية. وأنا المؤتمن على حماية اليهود المغاربة، والمسيحيين القادمين من الدول الأخرى، الذين يعيشون في المغرب” .
وقد عرفت هذه الزيارة جملة من الدلالات التي حرص جلالته على إرسالها للآخر المختلف عقديا، انطلاقا من اختيار رمزية التوقيت والمكان، حيث تزامنت الزيارة مع شهر رجب غادر فيه المسلمون مكة بأمر من النبي عليه الصلاة والسلام، نحو الحبشة التي كانت تحت ملك النجاشي المسيحي، ما عكس أول تعارف متبادل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، وهو الحدث الذي أراد جلالة الملك إحياء دلالاته من خلال استقبال البابا في نفس الشهر، إلى جانب الموقع التاريخي المقصود بملتقى نهر أبي رقراق والمحيط الأطلسي، وعلى محور واحد، يمتد من مسجد الكتبية بمراكش، والخيرالدة باشبيلية، وهو ما أراده جلالة الملك ” صلة وصل روحية ومعمارية وثقافية، بين افريقيا وأوروبا”.
وقد كانت هذه الزيارة التاريخية، فرصة جدد فيها جلالة الملك طرح تصوره حول مفهوم التسامح، الذي أشار أنه استغرق وقتا ليس باليسير دون أن يحقق أهدافه، حيث أشار أن “الديانات السماوية الثلاث لم توجد للتسامح في ما بينها، لا إجباريا كقدر محتوم، ولا اختياريا من باب المجاملة؛ بل وجدت للانفتاح على بعضها البعض، وللتعارف في ما بينها، في سعي دائم للخير المتبادل”.
وفي إشارة لتداعيات عدم الانفتاح على الآخر، أشار جلالته أن ” التطرف سواء كان دينيا أو غير ذلك، مصدره انعدام التعارف المتبادل، والجهل بالآخر، بل الجهل، وكفى. ذلك أن التعارف المتبادل يعني رفض التطرف، بكل أشكاله؛ وهو السبيل لرفع تحديات هذا العصر المضطرب” .. ولمواجهة هذا التطرف دعا جلالته إلا إيلاء الدين مجددا المكانة التي يستحقها في مجال التربية، لرفض استغلال الدين كمطية للجهلة، وللجهل وعدم التسامح، لتبرير حماقاتهم.
