مرثية وصافي !

بواسطة الإثنين 23 ديسمبر, 2024 - 11:09

«إلى روح سي محمد الخلفي… عم صباحا أيها الرجل الجميل، فقد ارتحت من غبائنا، ومن كل الضجيج!»                                                                                                                                                                                                                                                                                   

لا كرامة لفنان في وطنه. 

ولو كان سي محمد الخلفي يعلم أيام المسرح الأولى أن الركح سينتهي به محمولا على نقالة تهرب به من المصحة، من أجل التقاط مزيد من الصور المحزنة له، لقال للطيب الصديقي، وبقية البقية: لا حاجة لي بمسرحكم المبكي هذا، ولا أريد أن أذهب في هذا المسار. 

التقطت الصور كثيرا من الصور للرجل وهو في أرذل العمر، وقال لنا كل متصيدي الكليشيهات الكاذبة إنهم يعرفونه أفضل من الآخرين. 

بقي الرجل هناك في مكان قصي من نفسه يشاهد بعين ساخرة باكية، عليه أولا، ثم على البقية، ما يقع. 

لعله كان يقول في قرارة الأمارة بالسوء إن احتراف الفن في بلد، لازال غير قادر على النظر إلى الفنان نظرة سوية، أمر غير ذكي كثيرا. 

لعله سخر من نفسه وهو يستوعب أنه التقط متأخرا جدا هذه الإشارة، وأنه لم يفهمها في الوقت المناسب. 

ربما لو أتت التماعتها قبل هذا الزمن القاسي، كان سيختار حينها مهنة أخرى، أقل إيلاما، وأخف وطأ على النفس والروح من مهنة التعري الدائم أمام الناس هاته المسماة التشخيص. 

مر الزمن على كل حال، وفعل أفاعيله، ورأينا، وشاهدنا، وسمعنا ما وقع لفنان كبير كان يفترض أن يعيش لحظاته الأخيرة في عزة وكرامة، وبعيدا عن أعين الفضول القبيحة، قريبا من ذكريات كل ما عاشه في الميدان من أمور، لن يرغب حين الوداع إلا في تذكر الجميل منها، ونسيان كل ما هو رديء. 

لم نتح له جميعا هذه الفرصة. 

فرضنا عليه حماقاتنا والرداءات. 

وضعناه في ركن الحلبة الأكثر تعرضا للضرب، وتبادلنا أدوار القضاء عليه كل من موقعنا. 

متى مات؟ 

متى أسلم الروح لبارئها؟ 

متى اقتنع أن البقاء معنا غير مجد كثيرا؟ 

في منزله؟ أن حين إخراجه من المصحة؟ أم حين نقله على عجل إلى المستشفى ثانية؟ 

لعله مات قبل يوم السبت بوقت طويل، حين انتبه أنه أصبح أسير النقالة ومختلف من يحملونها، ومن يحركونها، ومن يلتقطون قربها صور الإدانة لأنفسهم، ثم لوضع فني حزين، مؤلم، شاق على النفس، شقي حد فقدان القدرة على الحديث عنه بصدق لمن تبقى من الصادقين، وهم قليل. 

يموت الفن المغربي في اليوم الواحد عشرات المرات، حين نضعه في الصف الأخير من الأولويات، وحين يردد التافهون منا والهاربون من المدارس إنه أمر نافل، ويتشدقون بأسنان بائسة بجملة الجهل القاتلة «آش خصك آلعريان؟ الفن آمرلاي». 

يقنعون من لا يعرف، أي الأكثرية، أن الثقافة أمر غير مهم كثيرا، ويفتحون المجال لمن هب ودب لكي يعتدي عليها، ويقفلون الأبواب بالمقابل على الموهوبين الحقيقيين. 

لذلك يموت فنانون كبار، وهم لا يجدون إلا إلزامية الخضوع لكليشيهات التصوير القبيحة المفروضة عليهم، من أجل رتق ثقوب اليومي التي لا تنتهي. 

ولذلك أيضا لا يرتقي الفن كثيرا في الوطن إلى حدود الإبداع الحقة. 

يبقى عالقا في مرحلة التنفس الاصطناعي، مضطرا كل مرة إلى الاستعانة بالأوكسيجين المصطنع قصد البقاء حيا، أو كالحي، وعندما تتعب قارورة الإنعاش من عملها، تتخلى عنه، فيموت. 

ندفنه كما كل مرة، وهذه المرة أيضا، في مقبرة ما، ونتبارى في قول أشياء، أغلبنا لا يؤمن بها، ونفترق باحثين في الفن الأجنبي، شرقا وغربا، عن إبداع فعلي يروي الظمأ منا، دون أن يسأل أي واحد منا لا نفسه ولا الآخرين، عن سبب هذا القحط القاحل الذي يضرب المشهد الإبداعي عندنا، فيجعله فقط هكذا: بئيسا، حزينا، غير قادر على أي تميز فعلي. 

لا نطرح السؤال لأننا نعرف جيدا الجواب، لكننا كعادتنا، نحن الشجعان المزيفون الخائفون من الحقيقة حد إنكارها، نفضل تحويل الأنظار، والتحديق في الاتجاه المعاكس، ملقين اللوم، كالعادة، على آخرين لا نراهم، ولا نريد أصلا منهم ولا لهم هذه الرؤية. 

الله يرحم سي محمد الخلفي، مشهد وداعه الختامي مشهد حزين وأليم وجد قوي، ويصلح نهاية أو بداية لعرض جد واقعي، سيكون مرعبا وجد دال، إن وجد من يكتب ومن يخرج ومن يمثل، بشكل فني حقيقي هذا العرض غير المسلي نهائيا. 

 

آخر الأخبار

الإصابة تنهي موسم الحواصلي مع اتحاد تواركة
أنهت الإصابة التي تعرض لها عبد الرحمان الحواصلي حارس مرمى اتحاد تواركة موسمه مع الفريق الرباطي. وسيجد اتحاد تواركة نفسه مضطرا إلى الاعتماد على الحارس الاحتياطي رضا أصمامة. وأصيب عبد الرحمان الحواصلي خلال تداريب اتحاد تواركة لكرة القدم على مستوى أسفل البطن. ويحتاج الحواصلي إلى فترة راحة طويلة قبل استئناف التداريب، وبالتالي استحالة مشاركته في […]
بين واقعية المغرب وغدر الجزائر.. دول الساحل تختار بوصلتها الأطلسية
بين الاستقرار الذي يقدمه المغرب، والتدهور الأمني والإرهاب الذي ترعاه الجزائر، باتت دول الساحل مجبرة على اختيار معسكرها الجيوسياسي، واتخاذ قرار مفصلي في تاريخ المنطقة، يعد بتحويل دول الساحل الافريقي الى جنة للازدهار والتنمية المستدامة. المبادرة الملكية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، هي الجسر نحو تحقيق الاستقرار المفقود في الساحل، فهي واقع ملموس يتجاوز الشعارات، […]
450 جماعة قروية مقصية من الخدمات البنكية
رغم  بعض التحسن، إلا أنه مازال هناك عمل كثير ينتظر المغرب من أجل تعميم الولوج إلى الخدمات البنكية، والمالية بشكل عام، لاسيما بالعالم القروي. الأرقام التي كشف عنها، المدير العام لبنك المغرب، عبد الرحيم بوعزة، تشير إلى أن معدل التغطية بنقاط الولوج إلى الخدمات المالية بالوسط القروي قد تحسن ليصل إلى 60 في المائة خلال […]