في كل مرة يحقق فيها المنتخب المغربي إنجازا جديدا، يتحقق معه حلم أكبر من الإنجاز نفسه. حلم إيجاد النموذج الإصلاحي المفقود، لتحقيق النقلة التنموية الشاملة، والقطع مع مغرب السرعتين، لأن ما يحدث مع المغاربة وهم يتابعون خطوات “أسود الأطلس” في كأس العالم 2026، لم يعد مجرد تشجيع للمنتخب الوطني في مباريات كرة القدم، بل أصبح موعدا مع الوعي الجماعي، يستحق أن يقرأ بعين المفكر أكثر مما يقرأ بعين المحلل الرياضي.
ملايين المغاربة قضوا ليلة بيضاء، سواء في بيوتهم أمام الشاشات أو في المقاهي ومناطق التشجيع، لمتابعة زئير الأسود أمام الطواحين الهولندية في موقعة تاريخية فوق أراضي المكسيك. مائة وعشرون دقيقة، وبعدها ركلات ترجيح. كانت درسا لشعب بأكمله، وهو يرى أبناءه يرفضون السقوط، ويؤمنون بأن الهزيمة ليست قدرا، وأن المستحيل ليس سوى فكرة يسكنها الضعفاء.
سالت دماء إسماعيل الصيباري فوق قميص المنتخب، ومزقت الالتحامات قميص شادي رياض مرات متتالية، وقاتل نصير مزراوي ببسالة الفرسان، وتألق بونو في الدفاع عن عرين الأسود، حتى جاء الفرج برأسية عيسى ديوب، أو “الشارجان عيسى” كما يحلو للمغاربة مناداته، وحسم المنتخب الموقعة بركلات الترجيح، بعد أن كان متأخرا بهدف في الدقائق الأخيرة من المواجهة، ليقدم درسا في معنى الانتماء، والروح القتالية، والوطنية الصادقة.
الجميل في الموضوع هو ما كشفه رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، قبل كل هذه المشاهد البطولية التي أبدع الأسود في رسمها أمام أنظار العالم.
قبل شدهم الرحال الى الولايات المتحدة الامريكية، لا أحد من اللاعبين فاوض على المال.
لا أحد منهم سأل عن حجم المكافآت.
لا أحد اشترط مقابلا حتى يحمل قميص الوطن.
في زمن أصبحت فيه لغة الأرقام تطغى على كل شيء، خرج هؤلاء اللاعبون ليقولوا إن هناك أشياء لا تشترى، وإن العلم الوطني لا يدخل إلى سوق المزايدات.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس للتصفيق… بل للتفكير.
كيف نجح المغرب في بناء هذا الجيل؟
كيف استطاع أن يجعل نجوما يعيشون في أكبر العواصم الأوروبية، ويلعبون في أقوى البطولات العالمية، يعتبرون الدفاع عن المغرب شرفا يتقدم على كل الحسابات؟
السؤال الحقيقي ليس: لماذا فاز المنتخب؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا نجح المنتخب، بينما تعثرت قطاعات أخرى في تحقيق الأثر نفسه؟
قد تختلف الإجابات، لكن من الصعب تجاهل حقيقة واحدة: النجاح لا يولد بالصدفة، بل تصنعه الرؤية، وتصونه المؤسسات، ويقوده أشخاص يؤمنون بالمشروع قبل أن يؤمنوا بالمكاسب.
في المنتخب الوطني، لا ترى أحدا يبحث عن بطولة شخصية، ولا لاعبا يحاول أن يكون أكبر من القميص. الجميع يركض في الاتجاه نفسه، ويضحي من أجل الهدف نفسه، ويؤمن بأن نجاح الفرد لا قيمة له إذا سقط الفريق.
أليست هذه هي الفلسفة التي تحتاجها بلادنا في ميادين أخرى؟
كم من قطاع تعثر لأن المصالح الشخصية انتصرت على المصلحة العامة؟
وكم من مشروع فقد روحه لأن الصراعات الصغيرة كانت أكبر من الحلم الكبير؟
وكم من حلم كبير استنزفته الحسابات الضيقة حتى أصبح عاجزا عن صناعة الأمل؟
أليس جديرا بنا أن نتعلم من القيم التي صنعت هذا المنتخب: الانضباط، والجدية، وروح الفريق، وربط المسؤولية بالنتائج، والإيمان بأن خدمة الوطن ليست موسما انتخابيا ولا خطابا مناسباتيا، بل سلوكا يوميا.
لقد أثبت “أسود الأطلس” أن الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، وأن المشاريع الكبرى تبدأ ببناء الروح والقلب، والثقة، ولعل أهم ما كشفته هذه التجربة هو أن الوطنية ليست شعارات ترفع في المنصات، ولا خطبا تلقى أمام الكاميرات، ولا مزايدات على مواقع التواصل الاجتماعي. الوطنية هي أن تنزل إلى الميدان، وأن تتألم مع وطنك، وأن تقاتل حتى آخر دقيقة دون أن تسأل: ماذا سأربح؟
هذا الجيل لم يمنح المغرب انتصارا رياضيا فقط.
لقد أعاد تعريف الوطنية بلغة يفهمها الجميع.
لغة الدم الذي سال ولم يوقف صاحبه.
ولغة القميص الذي تمزق ولم يتراجع مرتديه.
ولغة اللاعب الذي جاء من أوروبا ليقول إن جذوره ليست تصنيفا في جواز السفر، بل جزء من هويته ووجدانه.
لهذا، فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نحتفل ثم ننسى.
علينا أن نضع هذه التجربة تحت المجهر، ونبحث عن “كلمة السر” التي صنعت هذا التحول. كيف بنيت الثقة؟ كيف تشكل الانتماء؟ وكيف تحولت الرؤية الملكية، حين وجدت الكفاءات والإرادة والإصرار، إلى نتائج يراها العالم كله؟
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم.
المغرب لا يعاني من نقص في الطاقات، بل يحتاج دائما إلى مشاريع تجمعها، وإلى ثقافة تجعل خدمة الوطن شرفا قبل أن تكون امتيازا.
لقد وجد “أسود الأطلس” الطريق…
ويبقى السؤال الكبير: هل تمتلك القطاعات المتعثرة الشجاعة لتسلكه؟
أسود الأطلس وجدوا الطريق… فمن يجرؤ على السير فيه؟
بواسطة
الثلاثاء 30 يونيو, 2026 - 18:41
آخر الأخبار
المختار الغزيوي يكتب: "ميزاجور"..التحيين الضروري !
لم نكن ننتظر من الكائن الحزبي، لا أقل، ولا أكثر، من هذا الذي يقوله ويصنعه، ويردده، ويتعهد به، الآن. متوقع هو أكثر من اللازم، وخطبه، مثل خطواته، نعرفها منذ القديم، ونحفظها عن ظهر قلب، وهامش المفاجأة الوحيد الذي وعدنا به أنفسنا، وانتظرناه هذه المرة، قبيل انتخابات 23 شتنبر، كان هو أن يخالف الكائن الحزبي التوقعات، […]
تراكم النفايات يثير استياء ساكنة تارودانت ومطالب بتحسين تدبير النظافة
في سابقة تعكس حجم الاحتقان المتزايد حول وضعية النظافة بمدينة تارودانت، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة إلى فضاء مفتوح للتعبير عن الغضب والمطالبة بوضع حد لانتشار النفايات والنقاط السوداء، وإعادة الاعتبار إلى مدينة ظلت لسنوات عنواناً للتاريخ والجمال، ووجهةً لأبنائها وزوارها. المطالب التي يرفعها عدد متزايد من نشطاء المدينة لم تعد مجرد تدوينات […]
التامني: الترحال بين الأحزاب بحثا عن المقاعد يضعف الثقة في السياسة
قالت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، إن الانتقال من حزب إلى آخر بحثا عن مقعد برلماني من شأنه أن يفاقم أزمة الثقة في العمل السياسي والمؤسسات. واعتبرت التامني، في رأي نشرته على حسابها الشخصي بموقع “فيسبوك”، أن مثل هذه الممارسات تضعف جدوى المشاركة السياسية، وتعزز لدى المواطنين الانطباع بأن بعض الفاعلين السياسيين […]
