قرار محكمة العدل الأوروبية والفهم المسطّح السائد !!

بواسطة الإثنين 14 أكتوبر, 2024 - 11:42

معظم المتلقّين للقرار الأخير الصادر عن محكمة العدل الأوروبية، والقاضي بعدم إقرار اتفاقيتي الصيد البحري والزراعة المبرمتين بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، ذهبوا في تعليقاتهم وتحليلاتهم إلى أنّ ذلك القرار صدر ” ضد المغرب “، ولم يفكر أحد منهم بأن المغرب لم يكن طرفاً في القضية لدى عرضها على المحكمة المذكورة حتى يكون قرار هذه الأخيرة ضدَّه أو في صالحه!!

نعم… لم يسبق للمغرب ان أقام دعوى او استأنف حكماً ابتدائياً يؤيده القرار الذي نحن بصدده، ولم يكن بالتالي معنياً بهذا الموضوع من أساسه، رغم كونِه طرفاً في الاتفاقيتين… ولعل كونه طرفا فيهما بالذات، هو الذي جعل المحللين يعتبرونه معنياً، وبالتالي متضرراً من القرار السالف ذكره!!

إن الذي وقع في حقيقة الأمر، أنّ المحكمة الأوروبية الابتدائية أصدرت حكماً ابتدائياً بإلغاء الاتفاقيتين، وأن الذي استأنف الحكم معتبراً إياه مُضِرّاً بصالحه إنما هو الاتحاد الأوروبي، عن طريق مفوضيته وبواسطة محامييه المشاهير، المتقاضين لأعلى المُرَتّبات وأضخم الأتعاب، وعلى رأس أعضاء هذا الاتحاد تأتي إسبانيا بوصفها الأكثر استفادة من اتفاقية الصيد البحري، بينما تتقاسم فرنسا معها مواقع الصدارة فيما يتعلق بالاتفاقية الخاصة بالمنتجات الزراعية… أما المغرب فمنتجاته في حوزته يصدّرها متى شاء لمن يشاء، علما بأنّ في وسعه أن يستمر في تصديرها لكل زبنائه الأوروبيين بشكل ثنائي، وبذلك يضمن تصريف منتجاته، وفي الوقت ذاته يضمن لزبائنِه التزودَ باحتياجاتهم المعتادة خارج نطاق النفوذ القضائي لمحاكم أوروبا بالكامل!!

بيد أنّ هناك بالمناسبة ملاحظة مبدئية ينبغي التذكير بها، وهي أن المغرب هو الذي يلح على أن تكون مبادلاته التجارية مع الدول الأوروبية مندرجةً في إطار ” الاتحاد الأوروبي ” تحديداً وليس على أصعدة ثنائية، حتى يتسنى له أن يخاطب كياناُ واحداً، فيقتصد بذلك الكثير من الجهد والوقت ويضيّق من هامش المَخاطر والخسائر…

الموضوع إذَن، أن المشكل القائم والذي أفضى إليه قرارُ محكمة العدل الأوروبية إنما هو مشكل “أوروبي/أوروبي” بامتياز، ولا دخل للمغرب فيه إلاّ من حيث كونُه الطرفَ المموّنَ، الممارس لسيادته كاملةً على كامل ترابه، ومِن ثَمَّ فعلى الدولِ الأوروبية واتحادِها ومفوضيةِ هذا الاتحاد أن يجدوا حلا لمعضلتهم مع محكمة نسيت اختصاصاتها كجهاز للعدالة، فأخذت تتلبس بأردية السياسة، وشرعت في إصدار توصيفات تناست فيها أن الشعب الصحراوي الحقيقي يقيم في صحرائه المغربية ويمارس فيها كل حقوقه بلا استثناء، وأن له ممثليه ومسؤوليه ومؤسساتِه ومرافقَه العموميةَ ونشاطاتِه الإنمائيةَ وخططَه ومشاريعَه المستقبليةَ بحيث لا يفصله عن الوضع القانوني للحكم الذاتي إلا بعض التفاصيل والجزئيات، وأن ما تُسَمّيه تلك المحكمة “شعبا صحراويا لم تقع استشارته”، على حد زعمها، ما هو إلى مجموعة يسيرة من المواطنين المحتجزين في مخيمات الذل والعار تحت الحراستين المشددتين لميليشيا مرتزقة البوليساريو من جهة، ووحدات الدرك والجيش الجزائريين من جهة ثانية!!

والأغرب من هذا، أن تلك المحكمة وهي تصدر ذلك التوصيف السطحي والأرعن، لا تستطيع بتاتا أن تقول لنا كم تعداد أفراد ذلك الشعب المفترَى عليه، والذي تدّعي في منطوق حكمها الغريب عدم استشارته، وعلى محكمة العدل الأوروبية أن تقول لنا مَن هؤلاء الذين تريد منا أن نستشيرهم؟ كم عددهم؟ وما هي أصولهم القبلية الصحراوية؟ وهل ستضم المحكمة إليهم المرتزقة الجزائريين والموريتانيين والماليين والتشاديين والنيجريين… ولا شك أن من بينهم أيضا بقايا فُتاتٍ بشريٍّ من فينزويلا وكوبا وبوليفيا ومن كل الأجناس التي وظّفها ” الغازُودولار ” الجزائري لخدمة أجندة جزائرية لا تخفى حقيقتها على أحد من العالمين.

ونعود إلى التفسير والتأويل السطحيَيْن لقرار محكمة العدل الأوروبية، لنؤكد أن هذا القرار فجّر الأزمة بين الاتحاد الأوروبي ومحكمته هو، التي أنشأها هو ذاتُهُ، لتحمي مصالحه وتدافع عن حقوقه المشروعة، ومن بين هذه الحقوق أن يعقد اتفاقياته ويقيم شراكاته ليُلبّيَ احتياجات شعوبِه إلى منتجات وسلع وخدمات مغربية لا توجد لها بدائل في جغرافيا الزمان والمكان الراهنَيْن!!

أما المغرب، فالأمر لا يمسّه من قريب ولا من بعيد، لأن في وسعه أن يبحث له عن شركاء وزبناء غير ذلك الاتحاد، وما أكثرهم، أو أن يعقد اتفاقاته وصفقاته بشكل ثنائي مع بعض شركائه من داخل الاتحاد ذاته، من الأوروبيين الأكثر تعاملاً معه مثل فرنسا وإسبانيا على الخصوص، وبلدان أخرى عُظمى من خارج الاتحاد كالمملكة المتحدة، وروسيا الاتحادية، والصين، فضلا عن دول الخليج العربي التي تجمعنا بها أكثرُ مِن آصرة…

نهايتُه… إنّ القرار القضائي الأوروبي لا يضر إلا أهله، وعلى أهلِه أن يتعاملوا معه بما يخدم مصالح شعوبهم… أمّا نحن فما علينا سوى انتظار ما سيُبدعه العقل والذكاء الأوروبيان في هذا الاتجاه… والأيام القادمة كفيلة بالمجيء إلينا بما قد لا يدور بالبال.

آخر الأخبار

ما لا يفهمه العالم في وجدان المغاربة والمنتخب
كلما ترفع هذا الوطن في محفل عالمي، أو اهتزت الأرض تحت أقدام أبنائه في تظاهرة كبرى، يقف المراقب الأجنبي في حالة ذهول واستعصاء عن الفهم. يبحثون في مراكز دراساتهم، ويحللون عبر مقارباتهم السياسية الباردة، فلا يخرجون إلا بمزيد من الحيرة أمام أمة تملك قدرة غريبة على التناقض والتلاحم في آن واحد؛ أمة قد تتساجل حول […]
“البام” يعلن مرشحيه بالدوائر المحلية لجهة الدار البيضاء سطات.. امرأتان ضمن اللائحة وبرلمانيون حاليون يحافظون على مواقعهم
أعلن حزب الأصالة والمعاصرة عن أسماء مرشحيه لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بالدوائر المحلية التابعة لجهة الدار البيضاء سطات، والتي يبلغ عددها 16 دائرة انتخابية، وذلك خلال لقاء تنظيمي احتضنته مدينة الدار البيضاء بحضور منسقة القيادة الجماعية للحزب فاطمة الزهراء المنصوري، ورئيس قطب التنظيم سمير كودار. وضمت اللائحة التي كشف عنها الحزب كلا من نجوى كوكوس […]
الذكاء الاصطناعي وحقوق النساء.. معركة جديدة ضد التمييز في العصر الرقمي
لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصورا في الجوانب التقنية أو الاقتصادية، بل أصبح سؤالاً سياسياً وحقوقياً بامتياز. فمن يطور الخوارزميات؟ ومن يحدد قواعد استخدامها؟ ومن يستفيد من الثورة الرقمية؟ كلها أسئلة حضرت بقوة خلال الندوة الوطنية التي احتضنتها الرباط حول “الذكاء الاصطناعي، حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين”، والتي نظمتها جمعية مبادرات لحماية حقوق النساء […]